الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
140
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
كان لفظة العباد تقتضي الطاعة لم تقع هنا ، ولذلك آنس بها في قوله تعالى : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [ الزمر : 53 ] فهذا النوع من النظر يسلك به سبل العجائب في ميزة فصاحة القرآن على الطريقة العربية السلبية » . اه . وقوله : مِنْ دُونِ اللَّهِ قيد قصد منه تشنيع القول بأن يكونوا عبادا للقائل بأنّ ذلك يقتضي أنهم انسلخوا عن العبودية للّه تعالى إلى عبودية البشر ، لأنّ حقيقة العبودية لا تقبل التجزئة لمعبودين ، فإنّ النصارى لما جعلوا عيسى ربّا لهم ، وجعلوه ابنا للّه ، قد لزمهم أنهم انخلعوا عن عبودية اللّه فلا جدوى لقولهم : نحن عبد اللّه وعبيد عيسى ، فلذلك جعلت مقالتهم مقتضية أنّ عيسى أمرهم بأن يكونوا عبادا له دون اللّه ، والمعنى أنّ الآمر بأن يكون الناس عبادا له هو آمر بانصرافهم عن عبادة اللّه . وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ أي ولكن يقول كونوا ربانيين أي كونوا منسوبين للربّ ، وهو اللّه تعالى ، لأنّ النسب إلى الشيء إنما يكون لمزيد اختصاص المنسوب بالمنسوب إليه . ومعنى ذلك أن يكونوا مخلصين للّه دون غيره . والربّاني نسبة إلى الرب على غير قياس كما يقال اللّحياني لعظيم اللحية ، والشّعراني لكثير الشعر . وقوله : بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ أي لأنّ علمكم الكتاب من شأنه أن يصدّكم عن إشراك العبادة ، فإنّ فائدة العلم العمل . وقرأ الجمهور : بما كنتم تعلمون - بفتح المثناة الفوقية وسكون العين وفتح اللام - مضارع علم . وقرأه ابن عامر ، وحمزة ، وعاصم ، والكسائي ، وخلف : بضم ففتح فلام مشدّدة مكسورة مضارع علّم المضاعف . و تَدْرُسُونَ معناه تقرءون أي قراءة بإعادة وتكرير : لأنّ مادّة درس في كلام العرب تحوم حول معاني التأثر من تكرّر عمل يعمل في أمثاله ، فمنه قولهم : درست الريح رسم الدار إذا عفته وأبلته ، فهو دارس ، يقال منزل دارس ، والطريق الدارس العافي الذي لا يتبين . وثوب دارس خلق ، وقالوا : درس الكتاب إذا قرأه بتمهّل لحفظه ، أو للتدبّر ، وفي الحديث : « ما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللّه يتلون كتاب اللّه ويتدارسونه بينهم إلّا نزلت عليهم السكينة إلخ » رواه الترمذي فعطف التدارس على القراءة فعلم أنّ الدراسة أخصّ من القراءة . وسموا بيت قراءة اليهود مدراسا كما في الحديث : إنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم خرج