الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

137

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الشك عليهم في بعض ما نزل به القرآن ، فاللّيّ مجمل ، ولكنه مبين بقوله : لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وقوله : وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . واللّيّ في الأصل : الإراغة أي إدارة الجسم غير المتصلب إلى غير الصوب الذي هو ممتدّ إليه : فمن ذلك ليّ الحبل ، وليّ العنان للفرس لإدارته إلى جهة غير صوب سيره ، ومنه ليّ العنق ، وليّ الرأس بمعنى الالتفات الشزر والإعراض قال تعالى : لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ [ المنافقون : 5 ] . واللّي في هذه الآية يحتمل أن يكون حقيقة بمعنى تحريف اللسان عن طريق حرف من حروف الهجاء إلى طريق حرف آخر يقاربه لتعطي الكلمة في أذن السامع جرس كلمة أخرى ، وهذا مثل ما حكى اللّه عنهم في قولهم « راعنا » وفي الحديث من قولهم في السلام على النبي : « السام عليكم » أي الموت أو « السّلام - بكسر السين - عليك » وهذا اللّي يشابه الإشمام والاختلاس ومنه إمالة الألف إلى الياء ، وقد تتغير الكلمات بالترقيق والتفخيم وباختلاف صفات الحروف . والظاهر أنّ الكتاب هو التوراة فلعلهم كانوا إذا قرءوا بعض التوراة بالعربية نطقوا بحروف من كلماتها بين بين ليوهموا المسلمين معنى غير المعنى المراد ، وقد كانت لهم مقدرة ومراس في هذا . وقريب من هذا ما ذكره المبرّد في الكامل أنّ بعض الأزارقة أعاد بيت عمر ابن أبي ربيعة في مجلس ابن عباس . رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت * فيضحى وأما بالعشي فيخصر فجعل يضحى يحزى وجعل يخصر يخسر بالسين ليشوّه المعنى لأنه غضب من إقبال ابن عباس على سماع شعره . وفي الأحاجي والألغاز كثير من هذا كقولهم : إنّ للّاهي إلها فوقه فيقولها أحد بحضرة ناس ولا يشبع كسرة اللّاهي يخالها السامع للّه فيظنه كفر . أو لعلهم كانوا يقرءون ما ليس من التوراة بالكيفيات أو اللحون التي كانوا يقرءون بها التوراة ليخيلوا للسامعين أنهم يقرءون التوراة . ويحتمل أن يكون اللّي هنا مجازا عن صرف المعنى إلى معنى آخر كقولهم لوى الحجة أي ألقي بها على غير وجهها ، وهو تحريف الكلم عن مواضعه : بالتأويلات الباطلة ، والأقيسة الفاسدة ، والموضوعات الكاذبة ، وينسبون ذلك إلى اللّه ، وأياما كان فهذا اللّيّ يقصدون منه التمويه على المسلمين لغرض ، حكما فعل ابن صوريا في إخفاء