الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
136
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الكلام في الكناية عن الغضب ، وشاع استعمال النظر في الإقبال والعناية ، ونفي النظر في الغضب فالنظر المنفي هنا نظر خاص . وهاتان الكنايتان يجوز معهما إرادة المعنى الحقيقي . وقوله : وَلا يُزَكِّيهِمْ * أي لا يطهرهم من الذنوب ولا يقلعون عن آثامهم ، لأنّ من بلغ من رقّة الديانة إلى حدّ أن يشتري بعهد اللّه وأيمانه ثمنا قليلا ، فقد بلغ الغاية القصوى في الجرأة على اللّه ، فكيف يرجى له صلاح بعد ذلك ، ويحتمل أن يكون المعنى ولا ينميهم أي لا يكثر حظوظهم في الخيرات . وفي مجيء هذا الوعيد ، عقب الصلة ، وهي يشترون بعهد اللّه الآية ، إيذان بأنّ من شابههم في هذه الصفات فهو لاحق بهم ، حتى ظنّ بعض السلف أنّ هذه الآية نزلت فيمن حلف يمينا باطلة ، وكلّ يظنّ أنها نزلت فيما يعرفه من قصة يمين فاجرة ، ففي « البخاري » ، عن أبي وائل ، عن عبد اللّه بن مسعود ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من حلف يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي اللّه وهو عليه غضبان » فأنزل اللّه تصديق ذلك : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ الآية فدخل الأشعث بن قيس وقال : « ما يحدثكم أبو عبد الرحمن » قلنا : كذا وكذا . قال : « فيّ أنزلت كانت لي بئر في أرض ابن عم لي » فقال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : بينتك أو يمينه - قلت : إذن يحلف - فقال رسول اللّه : من حلف على يمين صبر الحديث . وفي « البخاري » ، عن عبد اللّه بن أبي أوفى : أنّ رجلا أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطي بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين فنزلت : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا الآية . وفيه عن ابن عباس أنه قرأ هاته الآية في قصّة وجبت فيها يمين لردّ دعوى : [ 78 ] [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 78 ] وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 78 ) أي من اليهود طائفة تخيل للمسلمين أشياء أنها مما جاء في التوراة ، وليست كذلك ، إما في الاعتذار عن بعض أفعالهم الذميمة ، كقولهم : ليس علينا في الأميين سبيل ، وإما للتخليط على المسلمين حتى يشككوهم فيما يخالف ذلك مما ذكره القرآن ، أو لإدخال