الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

135

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

النبي صلى اللّه عليه وسلم : « كذب أعداء اللّه ما من شيء كان في الجاهلية إلّا وهو تحت قدميّ هاتين إلّا الأمانة فإنها مؤدّاة إلى البرّ والفاجر . وقوله وهم يعلمون حال أي يعتمدون الكذب : إما لأنهم علموا أنّ ما قاسوه على ما في كتابهم ليس القياس فيه بصحيح ، وإما لأنّ التأويل الباطل بمنزلة العلم بالكذب ، إذ الشبهة الضعيفة كالعهد . و ( بلى ) حرف جواب وهو مختص بإبطال النفي فهو هنا لإبطال قولهم : لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [ آل عمران : 75 ] . و ( بلى ) غير مختصّة بجواب الاستفهام المنفي بل يجاب بها عند قصد الإبطال ، وأكثر مواقعها في جواب الاستفهام المنفي ، وجيء في الجواب بحكم عام ليشمل المقصود وغيره : توفيرا للمعنى ، وقصدا في اللفظ ، فقال : مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ أي لم يخن ، لأنّ الأمانة عهد ، وَاتَّقى » ربه فلم يدحض حق غيره إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * [ المائدة : 13 ] أي الموصوفين بالتقوى ، والمقصود نفي محبة اللّه عن ضدّ المذكور بقرينة المقام . [ 77 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 77 ] إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 77 ) مناسبة هذه الآية لما قبلها أنّ في خيانة الأمانة إبطالا للعهد ، وللحلف الذي بينهم ، وبين المسلمين ، وقريش . والكلام استئناف قصد منه ذكر الخلق الجامع لشتات مساوئ أهل الكتاب من اليهود ، دعا إليه قوله ودّت طائفة من أهل الكتاب وما بعده . وقد جرت أمثال هذه الأوصاف على اليهود مفرّقة في سورة البقرة [ 40 ] : أَوْفُوا بِعَهْدِي ، وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا [ البقرة : 41 ] . ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * [ البقرة : 102 ] . وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ [ البقرة : 174 ] . فعلمنا أنهم المراد بذلك هنا . وقد بينا هنالك وجه تسمية دينهم بالعهد وبالميثاق ، في مواضع ، لأنّ موسى عاهدهم على العمل به ، وبينا معاني هذه الأوصاف والأخبار . ومعنى وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ غضبه عليهم إذ قد شاع نفي