الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
128
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجوه نقتصر منها على وجهين واضحين : أحدهما : أنهم أرادوا تعليل قولهم : وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ على أن سياق الكلام يقتضي إرادتهم استحالة نسخ شريعة التوراة ، واستحالة بعثة رسول بعد موسى ، وأنه يقدّر لام تعليل محذوف قبل ( أن ) المصدرية وهو حذف شائع مثله . ثم إما أن يقدر حرف نفي بعد ( أن ) يدل عليه هذا السياق ويقتضيه لفظ ( أحد ) المراد منه شمول كلّ أحد : لأنّ ذلك اللفظ لا يستعمل مرادا منه الشمول إلّا في سياق النفي ، وما في معنيّ النفي مثل استفهام الإنكار ، فأما إذا استعمل ( أحد ) في الكلام الموجب فإنه يكون بمعنى الوصف بالوحدة ، وليس ذلك بمناسب في هذه الآية . فتقدير الكلام لأن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وحذف حرف النفي بعد لام التعليل ، ظاهرة ومقدّرة ، كثير في الكلام ، ومنه قوله تعالى : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [ النساء : 176 ] ، أي لئلّا تضلوا . والمعنى : أنّ قصدهم من هذا الكلام تثبيت أنفسهم على ملازمة دين اليهودية ، لأن اليهود لا يجوّزون نسخ أحكام اللّه ، ويتوهمون أنّ النسخ يقتضي البداء . الوجه الثاني : أنهم أرادوا إنكار أن يؤتى أحد النبوءة كما أوتيها أنبياء بني إسرائيل فيكون الكلام استفهاما إنكاريا حذفت منه أداة الاستفهام لدلالة السياق ؛ ويؤيده قراءة ابن كثير قوله : أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ بهمزتين . وأما قوله : أو يحاجوكم عند ربكم فحرف ( أو ) فيه للتقسيم مثل وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً [ الإنسان : 24 ] ( أو ) معطوف على النفي ، أو على الاستفهام الإنكاري : على اختلاف التقديرين ، والمعنى : ولا يحاجوكم عند ربكم - أو - وكيف يحاجونكم عند ربكم ، أي لا حجة لهم عليكم عند اللّه . وواو الجمع في يُحاجُّوكُمْ ضمير عائد إلى ( أحد ) لدلالته على العموم في سياق النفي أو الإنكار . وفائدة الاعتراض في أثناء كلامهم المبادرة بما يفيد ضلالهم لأنّ اللّه حرمهم التوفيق . الاحتمال الثاني أن تكون الجملة مما أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بأن يقوله لهم بقية لقوله : « إنّ الهدى هدى اللّه » .