الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
125
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إنّهم قد تخلقوا بأصول شرعه ، وعرفوا قدره ، وكانوا له لسان صدق دائبا بذكره ، فهؤلاء أحقّ به ممّن انتسبوا إليه لكنهم نقضوا أصول شرعه وهم المشركون ، ومن الذين انتسبوا إليه وأنسوا ذكر شرعه ، وهم اليهود والنصارى ، ومن هذا المعنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لما سأل عن صوم اليهود ، يوم عاشوراء فقالوا : هو يوم نجّى اللّه فيه موسى فقال : « نحن أحقّ بموسى منهم » وصامه وأمر المسلمين بصومه . وقوله : وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ تذييل أي هؤلاء هم أولى الناس بإبراهيم ، واللّه ولي إبراهيم ، والذين اتبعوه ، وهذا النبي ، والذين آمنوا ؛ لأنّ التذييل يشمل المذيّل قطعا ، ثم يشمل غيره تكميلا كالعام على سبب خاص . وفي قوله : وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ بعد قوله : كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا [ آل عمران : 67 ] تعريض بأنّ الذين لم يكن إبراهيم منهم ليسوا بمؤمنين . [ 69 ] [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 69 ] وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 69 ) استئناف مناسبته قوله : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ - إلى قوله - إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ [ آل عمران : 64 - 68 ] إلخ . والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود خاصة ، ولذلك عبّر عنهم بطائفة من أهل الكتاب لئلّا يتوهم أنهم أهل الكتاب الذين كانت المحاجة معهم في الآيات السابقة . والمراد بالطائفة جماعة منهم من قريظة ، والنضير ، وقينقاع ، دعوا عمّار بن ياسر ، ومعاذ بن جبل ، وحذيفة بن اليمان ، إلى الرجوع إلى الشرك . وجملة لو يضلونكم مبينة لمضمون جملة ودّت ، على طريقة الإجمال والتفصيل . فلو شرطية مستعملة في التمنّي مجازا لأنّ التمنّي من لوازم الشرط الامتناعي . وجواب الشرط محذوف يدل عليه فعل ودّت تقديره : لو يضلونكم لحصل مودودهم ، والتحقيق أنّ التمنّي عارض من عوارض لو الامتناعية في بعض المقامات . وليس هو معنى أصليا من معاني لو . وقد تقدم نظير هذا في قوله تعالى : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ في سورة البقرة [ 96 ] . وقوله : لَوْ يُضِلُّونَكُمْ أي ودّوا إضلالكم وهو يحتمل أنهم ودّوا أن يجعلوهم على غير هدى في نظر أهل الكتاب : أي يذبذبوهم ، ويحتمل أنّ المراد الإضلال في نفس