الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

118

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

استئناف ابتدائي للانتقال من دعائهم لكلمة الحق الجامعة لحق الدين ، إلى الإنكار عليهم محاجتهم الباطلة للمسلمين في دين إبراهيم ، وزعم كلّ فريق منهم أنهم على دينه توصّلا إلى أنّ الذي خالف دينهم لا يكون على دين إبراهيم كما يدّعي النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فالمحاجة فرع عن المخالفة في الدعوى . وهذه المحاجة على طريق قياس المساواة في النفي ، أو في محاجتهم النبي في دعواه أنه على دين إبراهيم ، محاجة يقصدون منها إبطال مساواة دينه لدين إبراهيم ، بطريقة قياس المساواة في النفي أيضا . فيجوز أن تكون هذه الجملة من مقول القول المأمور به الرسول في قوله تعالى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا أي قل لهم : يا أهل الكتاب لم تحاجون . ويجوز أن يكون الاستئناف من كلام اللّه تعالى عقب أمره الرسول بأن يقول تَعالَوْا فيكون توجيه خطاب إلى أهل الكتاب مباشرة ، ويكون جعل الجملة الأولى من مقول الرسول دون هذه لأنّ الأولى من شؤون الدعوة ، وهذه من طرق المحاجّة ، وإبطال قولهم ، وذلك في الدرجة الثانية من الدعوة . والكل في النسبة إلى اللّه سواء . ومناسبة الانتقال من الكلام السابق إلى هذا الكلام نشأت من قوله : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [ آل عمران : 64 ] لأنه قد شاع فيما نزل من القرآن في مكة ، وبعدها أنّ الإسلام الذي جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم يرجع إلى الحنيفية دين إبراهيم كما تقدم تقريره في سورة البقرة وكما في سورة النحل [ ] : ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وسيجيء أنّ إبراهيم كان حنيفا مسلما ، وقد اشتهر هذا وأعلن بين المشركين في مكة ، وبني اليهود في المدينة ، وبين النصارى في وفد نجران ، وقد علم أنّ المشركين بمكة كانوا يدّعون أنهم ورثة شريعة إبراهيم وسدنة بيته ، وكان أهل الكتاب قد ادّعوا أنهم على دين إبراهيم ، ولم يتبين لي أكان ذلك منهم ادّعاء قديما أم كانوا قد تفطنوا إليه من دعوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فاستيقظوا لتقليده في ذلك ، أم كانوا قالوا ذلك على وجه الإفحام للرسول حين حاجهم بأنّ دينه هو الحق ، وأنّ الدين عند اللّه الإسلام فألجئوه إلى أحد أمرين : إما أن تكون الزيادة على دين إبراهيم غير مخرجة عن اتّباعه ، فهو مشترك الإلزام في دين اليهودية والنصرانية ، وإما أن تكون مخرجة عن دين إبراهيم فلا يكون الإسلام تابعا لدين إبراهيم . وأحسب أنّ ادّعاءهم أنهم على ملة إبراهيم إنما انتحلوه لبثّ كل من الفريقين الدعوة إلى دينه بين العرب ، ولا سيما النصرانية ، فإنّ دعاتها كانوا يحاولون انتشارها بين العرب