الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
115
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 62 إلى 63 ] إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 62 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ( 63 ) جملة إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وما عطف عليها بالواو اعتراض لبيان ما اقتضاه قوله : الْكاذِبِينَ [ آل عمران : 61 ] لأنهم نفوا أن يكون عيسى عبد اللّه ، وزعموا أنه غلب فإثبات أنه عبد هو الحق . واسم الإشارة راجع إلى ما ذكر من نفي الإلهية عن عيسى . والضمير في قوله لهو القصص ضمير فصل ، ودخلت عليه لام الابتداء لزيادة التقوية التي أفادها ضمير الفصل ؛ لأنّ اللام وحدها مفيدة تقوية الخبر وضمير الفصل يفيد القصر أي هذا القصص لا ما تقصّه كتب النصارى وعقائدهم . والقصص - بفتح القاف والصاد - اسم لما يقص ، يقال : قصّ الخبر قصّا إذا أخبر به ، والقصّ أخص من الإخبار ؛ فإنّ القص إخبار بخبر فيه طول وتفصيل وتسمى الحادثة التي من شأنها أن يخبر بها قصة - بكسر القاف - أي مقصوصة أي مما يقصها القصّاص ، ويقال للذي ينتصب لتحديث الناس بأخبار الماضين قصّاص - بفتح القاف - . فالقصص اسم لما يقص : قال تعالى : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ وقيل : هو اسم مصدر وليس هو مصدرا ، ومن جرى على لسانه من أهل اللغة أنه مصدر فذلك تسامح من تسامح الأقدمين ، فالقصّ بالإدغام مصدر ، والقصص بالفكّ اسم للمصدر واسم للخبر المقصوص . وقوله : وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ تأكيد لحقيّة هذا القصص . ودخلت من الزائدة بعد حرف نفي تنصيصا على قصد النفي الجنس لتدل الجملة على التوحيد ، ونفي الشريك بالصراحة ، ودلالة المطابقة ، وأن ليس المراد نفي الوحدة عن غير اللّه ، فيوهم أنه قد يكون إلا هان أو أكثر في شقّ آخر ، وإن كان هذا يؤول إلى نفي الشريك لكن بدلالة الالتزام . وقوله : وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فيه ما في قوله : إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ فأفاد تقوية الخبر عن اللّه تعالى بالعزّة والحكم ، والمقصود إبطال إلهية المسيح على حسب اعتقاد المخاطبين من النصارى ، فإنهم زعموا أنه قتله اليهود وذلك ذلّة وعجز لا يلتئمان مع الإلهية فكيف يكون إله وهو غير عزيز وهو محكوم عليه ، وهو أيضا إبطال لإلهيته على اعتقادنا ؛ لأنه كان محتاجا لإنقاذه من أيدي الظالمين . وجملة فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ عطف على قوله : فَقُلْ تَعالَوْا [ آل عمران :