الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
114
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فلاعننا لا نفلح أبدا ولا عقبنا من بعدنا فلم يجيبوا إلى المباهلة وعدلوا إلى المصالحة كما سيأتي . وهذه المباهلة لعلّها من طرق التناصف عند النصارى فدعاهم إليها النبي صلى اللّه عليه وسلم لإقامة الحجة عليهم . وإنما جمع في الملاعنة الأبناء والنساء : لأنه لمّا ظهرت مكابرتهم في الحق وحبّ الدنيا ، علم أنّ من هذه صفته يكون أهله ونساؤه أحبّ إليه من الحق كما قال شعيب « أرهطي أعزّ عليكم من اللّه » وأنه يخشى سوء العيش ، وفقدان الأهل ، ولا يخشى عذاب الآخرة . والظاهر أنّ المراد بضمير المتكلم المشارك أنه عائد إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ومن معه من المسلمين ، والذين يحضرهم لذلك وأبناء أهل الوفد ونساؤهم اللّائي كنّ معهم . والنساء : الأزواج لا محالة ، وهو إطلاق معروف عند العرب إذا أضيف لفظ النساء إلى واحد أو جماعة دون ما إذا ورد غير مضاف ، قال تعالى : يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ [ الأحزاب : 32 ] وقال : وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ وقال النابغة : حذارا على أن لا تنال مقادتي * ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا والأنفس أنفس المتكلمين وأنفس المخاطبين أي وإيانا وإياكم ، وأما الأبناء فيحتمل أنّ المراد شبانهم ، ويحتمل أنه يشمل الصبيان ، والمقصود أن تعود عليهم آثار الملاعنة . والابتهال افتعال من البهل ، وهو اللعن ، يقال : بهله اللّه بمعنى لعنه واللعنة بهلة وبهلة - بالضم والفتح - ثم استعمل الابتهال مجازا مشهورا في مطلق الدعاء قال الأعشى : لا تقعدنّ وقد ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ وهو المراد هنا بدليل أنّه فرّع عليه قوله : فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ . وهذه دعوة إنصاف لا يدعو لها إلّا واثق بأنه على الحق . وهذه المباهلة لم تقع لأنّ نصارى نجران لم يستجيبوا إليها . وقد روى أبو نعيم في الدلائل أنّ النبي هيأ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ليصحبهم معه للمباهلة . ولم يذكروا فيه إحضار نسائه ولا إحضار بعض المسلمين . [ 62 ، 63 ]