الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
109
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
دون تأويل ، أنّ ذلك يقوم مقام البعض ، وأنّ قوله - في حديث أبي هريرة - ثم يتوفّى فيصلي عليه المسلمون مدرج من أبي هريرة لأنّه لم يروه غيره ممن رووا حديث نزول عيسى ، وهم جمع من الصحابة ، والروايات مختلفة وغير صريحة . ولم يتعرض القرآن في عدّ مزاياه إلى أنه ينزل في آخر الزمان . والتطهير في قوله : وَمُطَهِّرُكَ مجازي بمعنى العصمة والتنزيه ؛ لأنّ طهارة عيسى هي هي ، ولكن لو سلط عليه أعداؤه لكان ذلك إهانة له . وحذف متعلق « كفروا » لظهوره أي الذين كفروا بك وهم اليهود ، لأنّ اليهود ما كفروا باللّه بل كفروا برسالة عيسى ، ولأنّ عيسى لم يبعث لغيرهم فتطهيره لا يظنّ أنّه تطهير من المشركين بقرينة السياق . والفوقية في قوله : فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بمعنى الظهور والانتصار ، وهي فوقية دنيوية بدليل قوله : إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ . والمراد بالذين اتبعوه : الحواريون ومن اتبعه بعد ذلك ، إلى أن نسخت شريعته بمجيء محمد صلى اللّه عليه وسلم . وجملة ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ عطف على جملة وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إذ مضمون كلتا الجملتين من شأن جزاء اللّه متّبعي عيسى والكافرين به . وثم للتراخي الرتبي ؛ لأنّ الجزاء الحاصل عند مرجع الناس إلى اللّه يوم القيامة ، مع ما يقارنه من الحكم بين الفريقين فيما اختلفوا فيه ، أعظم درجة وأهم من جعل متبعي عيسى فوق الذين كفروا في الدنيا . والظاهر أنّ هذه الجملة مما خاطب اللّه به عيسى ، وأنّ ضمير مرجعكم ، وما معه من ضمائر المخاطبين ، عائد إلى عيسى والذين اتبعوه والذين كفروا به . ويجوز أن يكون خطابا للنبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين ، فتكون ثم للانتقال من غرض إلى غرض ، زيادة على التراخي الرتبي والتراخي الزمني . والمرجع مصدر ميمي معناه الرجوع . وحقيقة الرجوع غير مستقيمة هنا فتعيّن أنّه رجوع مجازي ، فيجوز أن يكون المراد به البعث للحساب بعد الموت ، وإطلاقه على هذا المعنى كثير في القرآن بلفظه وبمرادفه نحو المصير ، ويجوز أن يكون مرادا به انتهاء إمهال اللّه إياهم في أجل أراده فينفذ فيهم مراده في الدنيا .