الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
107
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 55 ، 57 ] [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 55 إلى 57 ] إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 55 ) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 56 ) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 57 ) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 55 ) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 56 ) . استئناف ؛ و ( إذ ) ظرف غير متعلق بشيء ، أو متعلق بمحذوف ، أي اذكر إذ قال اللّه : كما تقدم في قوله : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] وهذا حكاية لأمر رفع المسيح وإخفائه عن أنظار أعدائه . وقدّم اللّه في خطابه إعلامه بذلك استئناسا له ، إذ لم يتم ما يرغبه من هداية قومه . مع العلم بأنه يحب لقاء اللّه ، وتبشيرا له بأنّ اللّه مظهر دينه ؛ لأنّ غاية هم الرسول هو الهدى ، وإبلاغ الشريعة ، فلذلك قال له : وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا والنداء فيه للاستئناس ، وفي الحديث أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا يقبض نبيء حتى يخيّر » . وقوله : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ظاهر معناه : إنّي مميتك ، هذا هو معنى هذا الفعل في مواقع استعماله لأنّ أصل فعل توفّى الشيء أنه قبضه تاما واستوفاه . فيقال : توفاه اللّه أي قدّر موته ، ويقال : توفاه ملك الموت أي أنفذ إرادة اللّه بموته ، ويطلق التوفّي على النوم مجازا بعلاقة المشابهة في نحو قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [ الأنعام : 60 ] - وقوله - اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [ الزمر : 42 ] . أي وأما التي لم تمت الموت المعروف فيميتها في منامها موتا شبيها بالموت التام كقوله : هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ - ثم قال - حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا فالكل إماتة في التحقيق ، وإنما فصل بينهما العرف والاستعمال ، ولذلك فرّع بالبيان بقوله : « فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمّى » ، فالكلام منتظم غاية الانتظام ، وقد اشتبه نظمه على بعض