الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
104
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقوله : وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ تأكيد لقوله الأول : أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [ آل عمران : 49 ] . وإنما عطف بالواو لأنه أريد أن يكون من جملة الأخبار المتقدّمة ويحصل التأكيد بمجرّد تقدم مضمونه ، فتكون لهذه الجملة اعتباران يجعلانها بمنزلة جملتين ، وليبنى عليه التفريع بقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وقرأ الجمهور قوله : وَأَطِيعُونِ بحذف ياء المتكلم في الوصل والوقف ، وقرأه يعقوب : بإثبات الياء فيهما . وقوله : إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ إنّ مكسورة الهمزة لا محالة ، وهي واقعة موقع التعليل للأمر بالتقوى والطاعة كشأنها إذا وقعت لمجرّد الاهتمام كقول بشار . بكّرا صاحبيّ قبل الهجير * إنّ ذاك النجاح في التبكير ولذلك قال : رَبِّي وَرَبُّكُمْ فهو لكونه ربّهم حقيق بالتقوى ، ولكونه ربّ عيسى وأرسله تقتضي تقواه طاعة رسوله . وقوله : فاعبدوه تفريع على الرّبوبية ، فقد جعل قوله إنّ اللّه ربي تعليلا ثم أصلا للتفريع . وقوله : هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ الإشارة إلى ما قاله كلّه أي أنّه الحق الواضح فشبهه بصراط مستقيم لا يضلّ سالكه ولا يتحير . [ 52 ، 53 ] [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 52 إلى 53 ] فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 52 ) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( 53 ) آذن شرط لما بجمل محذوفة ، تقديرها : فولد عيسى ، وكلم الناس في المهد بما أخبرت به الملائكة مريم ، وكلم الناس بالرسالة . وأراهم الآيات الموعود بها ، ودعاهم إلى التصديق به وطاعته ، فكفروا به ، فلما أحسّ منهم الكفر قال إلى آخره . أي أحسّ الكفر من جماعة من الذين خاطبهم بدعوته في قوله : وَأَطِيعُونِ [ آل عمران : 50 ] أي سمع تكذيبهم إياه وأخبر بتمالئهم عليه . « ومنهم » متعلق بأحسّ . وضمير منهم عائد إلى معلوم من المقام يفسره وصف الكفر . وطلب النصر الإظهار الدعوة للّه ، موقف من مواقف الرسل ، فقد أخبر اللّه عن نوح