الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
100
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
العظمة ، على الالتفات . والكتاب مراد به الكتاب المعهود . وعطف التوراة تمهيد لعطف الإنجيل - ويجوز أن يكون الكتاب بمعنى الكتابة - وتقدم الكلام على التوراة والإنجيل في أول السورة . وَرَسُولًا عطف على جملة ( يعلّمه ) لأنّ جملة الحال ، لكونها ذات محل من الإعراب ، هي في قوة المفرد فنصب رسولا على الحال ، وصاحب الحال هو قوله بكلمة ، فهو من بقية كلام الملائكة . وفتح همزة أنّ في قوله : أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ لتقدير باء الجر بعد رسولا ، أي رسولا بهذا المقال لما تضمنه وصف رسولا من كونه مبعوثا بكلام ، فهذا مبدأ كلام بعد انتهاء كلام الملائكة . ومعنى جِئْتُكُمْ أرسلت إليكم من جانب اللّه ونظيرة قوله تعالى : وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ [ الزخرف : 63 ] . وقوله : بِآيَةٍ حال من ضمير جِئْتُكُمْ لأنّ المقصود الإخبار بأنه رسول لا بأنه جاء بآية . شبه أمر اللّه إياه بأن يبلّغ رسالة بمجيء المرسل من قوم إلى آخرين ولذلك سمّي النبي رسولا . والباء في قوله بِآيَةٍ للملابسة أي مقارنا للآيات الدالة على صدقي في هذه الرسالة المعبّر عنها بفعل المجيء . والمجرور متعلق بجئتكم على أنه ظرف لغو ، ويجوز أن يكون ظرفا مستقرا في موضع الحال من جِئْتُكُمْ لأن معنى جئتكم : أرسلت إليكم ، فلا يحتاج إلى ما يتعلق به . وقوله : أَنِّي أَخْلُقُ - بكسر الهمزة - استئناف لبيان آية وهي قراءة نافع ، وأبي جعفر . وقرأه الباقون بفتح همزة أَنِّي على أنه بدل من أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ . والخلق : حقيقته تقدير شيء بقدر ، ومنه خلق الأديم تقديره بحسب ما يراد من قطعه قبل قطع القطعة منه قال زهير : ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري يريد تقدير الأديم قبل قطعه والقطع هو الفري ، ويستعمل مجازا مشهورا أو مشتركا في الإنشاء ، والإبداع على غير مثال ولا احتذاء ، وفي الإنشاء على مثال يبدع ويقدّر ، قال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ [ الأعراف : 11 ] فهو إبداع الشيء وإبرازه للوجود