الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

603

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

دعاء واحد . وقوله : أَنْتَ مَوْلانا فصله لأنّه كالعلّة للدعوات الماضية : أي دعوناك ورجونا منك ذلك لأنّك مولانا ، ومن شأن المولى الرفق بالمملوك ، وليكون هذا أيضا كالمقدمة للدعوة الآتية . وقوله : فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ جيء فيه بالفاء للتفريع عن كونه مولى ، لأنّ شأن المولى أن ينصر مولاه ، ومن هنا يظهر موقع التعجيب والتحسير في قول مرة بن عداء الفقعسي : رأيت مواليّ الألى يخذلونني * على حدثان الدّهر إذ يتقلّب وفي التفريع بالفاء إيذان بتأكيد طلب إجابة الدعاء بالنصر ، لأنّهم جعلوه مرتّبا على وصف محقّق ، وهو ولاية اللّه تعالى المؤمنين ، قال تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 257 ] وفي حديث يوم أحد لمّا قال أبو سفيان : « لنا العزّى ولا عزّى لكم » قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أجيبوه « اللّه مولانا ولا مولى لكم » . ووجه الاهتمام بهذه الدعوة أنّها جامعة لخيري الدنيا والآخرة ؛ لأنّهم إذا نصروا على العدوّ ، فقد طاب عيشهم وظهر دينهم ، وسلموا من الفتنة ، ودخل الناس فيه أفواجا . و في « الصحيح » ، عن أبي مسعود الأنصاري البدري : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة ، في ليلة ، كفتاه » وهما من قوله تعالى : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ إلى آخر السورة . قيل معناه كفتاه عن قيام الليل ، فيكون معنى من قرأ من صلّى بهما ، وقيل معناه كفتاه بركة وتعوّذا من الشياطين والمضارّ ، ولعلّ كلا الاحتمالين مراد .