الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
599
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
نزول هذه الآية لم يخاطب بطلب الإيمان وإنّما خوطب قبل ذلك ، وبذلك نسلم من أن نقول : إنّه خارج عن الدعوة ، ومن أن نقول : إنّه مخاطب بعد نزول الآية . وهذه الآية تقتضي عدم وقوع التكليف بما لا يطاق في الشريعة ، بحسب المتعارف في إرادة البشر وقدرهم ، دون ما هو بحسب سرّ القدر ، والبحث عن حقيقة القدرة الحادثة ، نعم يؤخذ منها الرد على الجبرية . وقوله : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ حال من « نفسا » لبيان كيفية الوسع الذي كلفت به النفس : وهو أنّه إن جاءت بخير كان نفعه لها وإن جاءت بشرّ كان ضرّه عليها . وهذا التقسيم حاصل من التعليق بواسطة « اللّام » مرة وبواسطة ( على ) أخرى . وأما كسبت واكتسبت فبمعنى واحد في كلام العرب ؛ لأنّ المطاوعة في اكتسب ليست على بابها ، وإنّما عبّر هنا مرة بكسبت وأخرى باكتسبت تفنّنا وكراهية إعادة الكلمة بعينها ، كما فعل ذو الرمة في قوله : ومطعم الصيد هبّال لبغيته * ألفي أباه بذاك الكسب مكتسبا « 1 » وقول النابغة : فحملت برّة واحتملت فجار وابتدئ أولا بالمشهور الكثير ، ثم أعيد بمطاوعه ، وقد تكون ، في اختيار الفعل الذي أصله دال على المطاوعة ، إشارة إلى أنّ الشرور يأمر بها الشيطان ، فتأتمر النفس وتطاوعه وذلك تبغيض من اللّه للناس في الذنوب . واختير الفعل الدال على اختيار النفس للحسنات ، إشارة إلى أنّ اللّه يسوق إليها الناس بالفطرة ، ووقع في « الكشاف » أن فعل المطاوعة لدلالته على الاعتمال ، وكان الشرّ مشتهى للنفس ، فهي تجدّ تحصيله ، فعبّر عن فعلها ذلك بالاكتساب . والمراد بما اكتسبت الشرور ، فمن أجل ذلك ظنّ بعض المفسرين أنّ الكسب هو اجتناء الخير ، والاكتساب هو اجتناء الشر ، وهو خلاف التحقيق ؛ ففي القرآن وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها [ الأنعام : 164 ] - ثم قيل للذين ظلموا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [ يونس : 52 ] - وقد قيل : إنّ اكتسب إذا اجتمع مع كسب خصّ
--> ( 1 ) الهبال : المحتال . والمقصود أنه حذق بالصيد وارثه عن أبيه .