الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
586
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
متفرّع على جميع ما تقدّم من أحكام الدين : أي إن أمن كلّ من المتداينين الآخر أي وثق بعضكم بأمانة بعض فلم يطالبه بإشهاد ولا رهن ، فالبعض - المرفوع - هو الدائن ، والبعض - المنصوب - هو المدين وهو الذي ائتمن . والأمانة مصدر آمنه إذا جعله آمنا . والأمن اطمئنان النفس وسلامتها ممّا تخافه ، وأطلقت الأمانة على الشيء المؤمّن عليه ، من إطلاق المصدر على المفعول . وإضافة أمانته تشبه إضافة المصدر إلى مفعوله . وسيجيء ذكر الأمانة بمعنى صفة الأمين عند قوله تعالى : وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ في سورة الأعراف [ 68 ] . وقد أطلق هنا اسم الأمانة على الدّين في الذمّة وعلى الرهن لتعظيم ذلك الحق لأنّ اسم الأمانات له مهابة في النفوس ، فذلك تحذير من عدم الوفاء به ؛ لأنّه لما سمّي أمانة فعدم أدائه ينعكس خيانة ؛ لأنّها ضدّها ، وفي الحديث : « أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك » . والأداء : الدفع والتوفية ، وردّ الشيء أو ردّ مثله فيما لا تقصد أعيانه ، ومنه أداء الأمانة وأداء الدّين أي عدم جحده قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [ النساء : 58 ] . والمعنى : إذا ظننتم أنّكم في غنية عن التوثّق في ديونكم بأنّكم أمناء عند بعضكم ، فأعطوا الأمانة حقّها . وقد علمت ممّا تقدم عند قوله تعالى : فَاكْتُبُوهُ أنّ آية فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ تعتبر تكميلا لطلب الكتابة والإشهاد طلب ندب واستحباب عند الذين حملوا الأمر في قوله تعالى : فَاكْتُبُوهُ على معنى الندب والاستحباب ، وهم الجمهور . ومعنى كونها تكميلا لذلك الطلب أنّها بيّنت أنّ الكتابة والإشهاد بين المتداينين ، مقصود بهما حسن التعامل بينهما ، فإن بدا لهما أن يأخذا بهما فنعمّا ، وإن اكتفيا بما يعلمانه من أمان بينهما فلهما تركهما . وأتبع هذا البيان بوصاية كلا المتعاملين بأن يؤدّيا الأمانة ويتّقيا اللّه . وتقدم أيضا أنّ الذين قالوا بأنّ الكتابة والإشهاد على الديون كان واجبا ثم نسخ وجوبه ، ادّعوا أنّ ناسخه هو قوله تعالى : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً الآية ، وهو قول الشعبي ، وابن جريج ، وجابر بن زيد ، والربيع بن سليمان ، ونسب إلى أبي سعيد