الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
578
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
التعاقد : من تحمّل ، عند قصد الإشهاد ، ومن أداء ، عند الاحتياج إلى البيّنة . قال ابن الحاجب : « والتحمّل حيث يفتقر إليه فرض كفاية والأداء من نحو البريدين - إن كانا اثنين - فرض عين ، ولا تحلّ إحالته على اليمين » . والقول في مقتضى النهي هنا كالقول في قوله : وَلا يَأْبَ كاتِبٌ ويظهر أنّ التحمّل يتعيّن بالتعيين من الإمام ، أو بما يعينه ، وكان الشأن أن يكون فرض عين إلّا لضرورة فينتقل المتعاقدان لآخر ، وأما الأداء ففرض عين إن كان لا مضرة فيه على الشاهد في بدنه ، أو ماله ، وعند أبي حنيفة الأداء فرض كفاية إلّا إذا تعيّن عليه : بأن لا يوجد بدله ، وإنّما يجب بشرط عدالة القاضي ، وقرب المكان : بأن يرجع الشاهد إلى منزله في يومه ، وعلمه بأنّه تقبل شهادته ، وطلب المدّعي . وفي هذه التعليقات ردّ بالشهادة إلى مختلف اجتهادات الشهود ، وذلك باب من التأويلات لا ينبغي فتحه . قال القرطبي : « يؤخذ من هذه الآية أنّه يجوز للإمام أن يقيم للناس شهودا ، ويجعل لهم كفايتهم من بيت المال ، فلا يكون لهم شغل إلّا تحمل حقوق الناس حفظا لها » . قلت : وقد أحسن . قضاة تونس المتقدّمون ، وأمراؤها ، في تعيين شهود منتصبين للشهادة بين الناس ، يؤخذون ممّن يقبلهم القضاة ويعرفونهم بالعدالة ، وكذلك كان الأمر في الأندلس ، وذلك من حسن النظر للأمة ، ولم يكن ذلك متّبعا في بلاد المشرق ، بل كانوا يكتفون بشهرة عدالة بعض الفقهاء وضبطهم للشروط وكتب الوثائق فيعتمدهم القضاة ، ويكلون إليهم ما يجري في النوازل من كتابة الدعوى والأحكام ، وكان ممّا يعدّ في ترجمة بعض العلماء أن يقال : كان مقبولا عند القاضي فلان . وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ . تعميم في أكوان أو أحوال الديون المأمور بكتابتها ، فالصغير والكبير هنا مجازان في الحقير والجليل . والمعاملات الصغيرة أكثر من الكبيرة ، فلذلك نهوا عن السآمة هنا . والسآمة : الملل من تكرير فعل ما . والخطاب للمتداينين أصالة ، ويستتبع ذلك خطاب الكاتب : لأنّ المتداينين إذا دعواه للكتابة وجب عليه أن يكتب . والنهي عنها نهي عن أثرها ، وهو ترك الكتابة ، لأنّ السآمة تحصل للنفس من غير اختيار ، فلا ينهى عنها في ذاتها ، وقيل السآمة هنا كناية عن الكسل والتهاون . وانتصب