الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

572

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

التهم . والرجل في أصل اللغة يفيد وصف الذكورة فخرجت الإناث ، ويفيد البلوغ فخرج الصبيان ، والضمير المضاف إليه أفاد وصف الإسلام . فأما الأنثى فيذكر حكمها بعد هذا ، وأما الكافر فلأنّ اختلاف الدّين يوجب التباعد في الأحوال والمعاشرات والآداب فلا تمكن الإحاطة بأحوال العدول والمرتابين من الفريقين ، كيف وقد اشترط في تزكية المسلمين شدة المخالطة ، ولأنّه قد عرف من غالب أهل الملل استخفاف المخالف في الدين بحقوق مخالفه ، وذلك من تخليط الحقوق والجهل بواجبات الدين الإسلامي . فإنّ الأديان السالفة لم تتعرّض لاحترام حقوق المخالفين ، فتوهم أتباعهم دحضها . وقد حكى اللّه عنهم أنّهم قالوا : « ليس علينا في الأمّيين سبيل » . وهذه نصوص التوراة في مواضع كثيرة تنهى عن أشياء أو تأمر بأشياء وتخصّها ببني إسرائيل ، وتسوغ مخالفة ذلك مع الغريب ، ولم نر في دين من الأديان التصريح بالتسوية في الحقوق سوى دين الإسلام ، فكيف نعتدّ بشهادة هؤلاء الذين يرون المسلمين مارقين عن دين الحق مناوئين لهم ، ويرمون بذلك نبيئهم فمن دونه ، فما ذا يرجى من هؤلاء أن يقولوا الحق لهم أو عليهم والنصرانية تابعة لأحكام التوراة . على أنّ تجافي أهل الأديان أمر كان كالجبليّ فهذا الإسلام مع أمره المسلمين بالعدل مع أهل الذمة لا نرى منهم امتثالا فيما يأمرهم به في شأنهم . وفي القرآن إيماء إلى هذه العلة « ذلك بأنّهم قالوا ليس علينا في الأمّيين سبيل » . وفي « البخاري » ، في حديث أبي قلابة في مجلس عمر بن عبد العزيز . وما روي عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري : أنّ نفرا من قومه ذهبوا إلى خيبر فتفرّقوا بها ، فوجدوا أحدهم قتيلا ، فقالوا للذين وجد فيهم القتيل أنتم قتلتم صاحبنا ، قالوا ما قتلنا ، فانطلقوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فشكوا إليه ، فقال لهم : « تأتون بالبيّنة على من قتله » ، قالوا : « ما لنا بيّنة » ، قال : « فتحلف لكم يهود خمسين يمينا » ، قالوا : « ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم يحلفون » ، فكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبطل دمه ووداه من مال الصدقة . فقد أقر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قول الأنصار في اليهود : إنّهم ما يبالون أن يقتلوا كل القوم ثم يحلفون . فإن قلت : كيف اعتدت الشريعة بيمين المدّعى عليه من الكفار ، قلت : اعتدّت بها لأنّها أقصى ما يمكن في دفع الدعوى ، فرأتها الشريعة خيرا من إهمال الدعوى من أصلها .