الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

570

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والبخس فسره أهل اللغة بالنقص ويظهر أنّه أخصّ من النقص ، فهو نقص بإخفاء . وأقرب الألفاظ إلى معناه الغبن ، قال ابن العربي في الأحكام في سورة الأعراف : « البخس في لسان العرب هو النقص بالتعييب والتزهيد ، أو المخادعة عن القيمة ، أو الاحتيال في التزيّد في الكيل أو النقصان منه » أي عن غفلة من صاحب الحق ، وهذا هو المناسب في معنى الآية لأنّ المراد النهي عن النقص من الحق عن غفلة من صاحبه ، ولذلك نهي الشاهد أو المدين أو الدائن ، وسيجيء في سورة الأعراف عند قوله تعالى : وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ * [ الأعراف : 85 ] . وقوله : فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً السفيه هو مختلّ العقل ، وتقدم بيانه عند قوله تعالى : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ [ البقرة : 142 ] . والضعيف الصغير ، وقد تقدم عند قوله تعالى : وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ [ البقرة : 266 ] . والذي لا يستطيع أن يملّ هو العاجز كمن به بكم وعمّى وصمم جميعا . ووجه تأكيد الضمير المستتر في فعل يملّ بالضمير البارز هو التمهيد لقوله : فَلْيُمْلِلْ لئلا يتوهّم الناس أنّ عجزه يسقط عنه واجب الإشهاد عليه بما يستدينه ، وكان الأولياء قبل الإسلام وفي صدره كبراء القرابة . والولي من له ولاية على السفيه والضعيف ومن لا يستطيع أن يملّ كالأب والوصيّ وعرفاء القبيلة ، وفي حديث وفد هوازن : قال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليرفع إليّ عرفاؤكم أمركم » ، وكان ذلك في صدر الإسلام وفي الحقوق القبليّة . ومعنى بِالْعَدْلِ أي بالحق . وهذا دليل على أنّ إقرار الوصي والمقدّم في حق المولّى عليه ماض إذا ظهر سببه ، وإنّما لم يعمل به المتأخّرون من الفقهاء سدّا للذريعة خشية التواطؤ على إضاعة أموال الضعفاء . وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى . عطف على فَاكْتُبُوهُ ، وهو غيره وليس بيانا له إذ لو كان بيانا لما اقترن بالواو . فالمأمور به المتداينون شيئان : الكتابة ، والإشهاد عليها . والمقصود من الكتابة ضبط صيغة التعاقد وشروطه وتذكر ذلك خشية النسيان . ومن أجل ذلك سمّاها الفقهاء ذكر الحق ، وتسمّى عقدا قال الحارث بن حلزة :