الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

57

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

من معاني الصلاة مجازا في مثل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [ الأحزاب : 56 ] . وحقيقة الصلاة في كلام العرب أنها أقوال تنبئ عن محبة الخير لأحد ، ولذلك كان أشهر معانيها هو الدعاء وقد تقدم ذلك في قوله تعالى : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ [ البقرة : 3 ] ولأجل ذلك كان إسناد هذا الفعل لمن لا يطلب الخير إلّا منه متعينا للمجاز في لازم المعنى وهو حصول الخير ، فكانت الصلاة إذا أسندت إلى اللّه أو أضيفت إليه دالة على الرحمة وإيصال ما به النفع من رحمة أو مغفرة أو تزكية . وقوله : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ بيان لفضيلة صفتهم إذا اهتدوا لما هو حقّ كل عبد عارف فلم تزعجهم المصائب ولم تكن لهم حاجبا عن التحقق في مقام الصبر ، لعلمهم أن الحياة لا تخلو من الأكدار ، وأما الذين لم يهتدوا فهم يجعلون المصائب سببا في اعتراضهم على اللّه أو كفرهم به أو قول ما لا يليق أو شكهم في صحة ما هم عليه من الإسلام ، يقولون لو كان هذا هو الدين المرضيّ للّه لما لحقنا عذاب ومصيبة ، وهذا شأن أهل الضلال الذين حذّرنا اللّه أمرهم بقوله : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ [ الأعراف : 131 ] وقال في المنافقين : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ [ النساء : 78 ] ، والقول الفصل أن جزاء الأعمال يظهر في الآخرة ، وأما مصائب الدنيا فمسببة عن أسباب دنيوية ، تعرض لعروض سببها ، وقد يجعل اللّه سبب المصيبة عقوبة لعبده في الدنيا على سوء أدب أو نحوه للتخفيف عنه من عذاب الآخرة ، وقد تكون لرفع درجات النفس ، ولها أحوال ودقائق لا يعلمها إلّا اللّه تعالى وقد يطلع عليها العبد إذا راقب نفسه وحاسبها ، وللّه تعالى في الحالين لطف ونكاية يظهر أثر أحدهما للعارفين . [ 158 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 158 ] إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ( 158 ) هذا كلام وقع معترضا بين محاجة أهل الكتاب والمشركين في أمر القبلة ، نزل هذا بسبب تردد واضطراب بين المسلمين في أمر السعي بين الصفا والمروة وذلك عام حجة الوداع ، كما جاء في حديث عائشة الآتي ، فهذه الآية نزلت بعد الآيات التي قبلها وبعد الآيات التي نقرؤها بعدها ، لأن الحج لم يكن قد فرض ، وهي من الآيات التي أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بإلحاقها ببعض السّور التي نزلت قبل نزولها بمدة ، والمناسبة بينها وبين ما