الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

564

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مواساة الفقير وإغاثة الملهوف ، ووضّح ذلك بما فيه عبرة للمعتبر ، ثم عطف عليه التحذير من مضايقة المحتاجين إلى المواساة مضايقة الربا مع ما في تلك المعاملات من المفاسد ، ثلّث ببيان التوثّقات المالية من الإشهاد ، وما يقوم مقامه وهو الرهن والائتمان . وإنّ تحديد التوثّق في المعاملات من أعظم وسائل بثّ الثقة بين المتعاملين ، وذلك من شأنه تكثير عقود المعاملات ودوران دولاب التموّل . والجملة استئناف ابتدائي ، والمناسبة في الانتقال ظاهرة عقب الكلام على غرماء أهل الربا . والتداين من أعظم أسباب رواج المعاملات لأنّ المقتدر على تنمية المال قد يعوزه المال فيضطرّ إلى التداين ليظهر مواهبه في التجارة أو الصناعة أو الزراعة ، ولأنّ المترفة قد ينضب المال من بين يديه وله قبل به بعد حين ، فإذا لم يتداين اختلّ نظام ماله ، فشرّع اللّه تعالى للناس بقاء التداين المتعارف بينهم كيلا يظنّوا أنّ تحريم الربا والرجوع بالمتعاملين إلى رؤوس أموالهم إبطال للتداين كلّه . وأفاد ذلك التشريع بوضعه في تشريع آخر مكمّل له وهو التوثّق له بالكتابة والإشهاد . والخطاب موجّه للمؤمنين أي لمجموعهم ، والمقصود منه خصوص المتداينين ، والأخصّ بالخطاب هو المدين لأنّ من حق عليه أن يجعل دائنه مطمئن البال على ماله . فعلى المستقرض أن يطلب الكتابة وإن لم يسألها الدائن ، ويؤخذ هذا مما حكاه اللّه في سورة القصص عن موسى وشعيب ، إذ استأجر شعيب موسى . فلما تراوضا على الإجارة وتعيين أجلها قال موسى : « واللّه على ما نقول وكيل » ، فذلك إشهاد على نفسه لمؤاجره دون أن يسأله شعيب ذلك . والتداين تفاعل ، وأطلق هنا - مع أنّ الفعل صادر من جهة واحدة وهي جهة المسلّف - لأنّك تقول ادّان منه فدانه ، فالمفاعلة منظور فيها إلى المخاطبين هم مجموع الأمة ؛ لأنّ في المجموع دائنا ومدينا ، فصار المجموع مشتملا على جانبين . ولك أن تجعل المفاعلة على غير بابها كما تقول تداينت من زيد . وزيادة قيد بِدَيْنٍ * إما لمجرد الإطناب ، كما يقولون رأيته بعيني ولمسته بيدي ، وإما ليكون معادا للضمير في قوله فاكتبوه ، ولولا ذكره لقال فاكتبوا الدّين فلم يكن النظم بذلك الحسن ، ولأنّه أبين لتنويع الدين إلى مؤجّل وحالّ ، قاله في « الكشاف » .