الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

560

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أن قدم أمامه من الموعظة ما هيّأ النفوس إليه . فإن كان قوله : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا [ البقرة : 275 ] من كلام الذين قالوا : إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا [ البقرة : 275 ] فظاهر ، وإن كان من كلام اللّه تعالى فهو تشريع وقع في سياق الرد ، فلم يكتف بتشريع غير مقصود ولذا احتيج إلى هذا التشريع الصريح المقصود ، وما تقدم كلّه وصف لحال أهل الجاهلية وما بقي منه في صدر الإسلام قبل التحريم . وأمروا بتقوى اللّه قبل الأمر بترك الربا لأنّ تقوى اللّه هي أصل الامتثال والاجتناب ؛ ولأن ترك الربا من جملتها . فهو كالأمر بطريق برهاني . ومعنى وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا الآية اتركوا ما بقي في ذمم الذين عاملتموهم بالربا ، فهذا مقابل قوله : « فله ما سلف » ، فكان الذي سلف قبضه قبل نزول الآية معفوا عنه وما لم يقبض مأمورا بتركه . قيل نزلت هذه الآية خطابا لثقيف - أهل الطائف - إذ دخلوا في الإسلام بعد فتح مكة وبعد حصار الطائف على صلح وقع بينهم وبين عتّاب بن أسيد - الذي أولاه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مكة بعد الفتح - بسبب أنّهم كانت لهم معاملات بالربا مع قريش ، فاشترطت ثقيف قبل النزول على الإسلام أنّ كل ربا لهم على الناس يأخذونه ، وكل ربا عليهم فهو موضوع ، وقبل منه رسول اللّه شرطهم ، ثم أنزل اللّه تعالى هذه الآية خطابا لهم - وكانوا حديثي عهد بإسلام - فقالوا : لا يدي لنا « 1 » بحرب اللّه ورسوله . فقوله : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * معناه إن كنتم مؤمنين حقا ، فلا ينافي قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا * إذ معناه يا أيها الذين دخلوا في الإيمان ، واندفعت إشكالات عرضت . وقوله : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني إن تمسكتم بالشرط فقد انتقض الصلح بيننا ، فاعلموا أنّ الحرب عادت جذعة ، فهذا كقوله : « وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء » . وتنكير حرب لقصد تعظيم أمرها ؛ ولأجل هذا المقصد عدل عن إضافة الحرب إلى اللّه وجيء عوضا عنها بمن ونسبت إلى اللّه ؛ لأنّها بإذنه على سبيل مجاز الإسناد ، وإلى رسوله لأنّه المبلغ والمباشر ، وهذا هو الظاهر . فإذا صح ما ذكر في

--> ( 1 ) أي لا قدرة لنا . فاليدان مجاز في القدرة ؛ لأنهما آلتها ، وأصله : لا يدين لنا ، فعاملوا المجرور باللام معاملة المضاف إليه كما في قولهم : لا أبا له ، بإثبات ألف أبا ، قاله ابن الحاجب . وقال غيره : اللام مقحمة بين المضاف والمضاف إليه .