الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

557

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

رسول اللّه ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضّة بالفضّة إلّا سواء بسواء عينا بعين ، من زاد وازداد فقد أربى » فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال : « ألا ما بال أقوام يتحدّثون عن رسول اللّه أحاديث قد كنّا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه » فقال عبادة بن الصامت : « لنحدّثن بما سمعنا من رسول اللّه وإن كره معاوية » . والظاهر أنّ الآية لم يقصد منها إلّا ربا الجاهلية ، وأنّ ما عداه من المعاملات الباطلة التي فيها أكل مال بالباطل مندرجة في أدلة أخرى . وقوله : فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى الآية تفريع على الوعيد في قوله : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا . والمجيء بمعنى العلم والبلاغ ، أي من علم هذا الوعيد ، وهذا عذر لمن استرسل على معاملة الربا قبل بلوغ التحريم إليه ، فالمراد بالموعظة هذه الآية وآية آل عمران . والانتهاء مطاوع نهاه إذا صدّه عمّا لا يليق ، وكأنّه مشتق من النّهى - بضم النون - وهو العقل . ومعنى « فله ما سلف » ، أي ما سلف قبضه من مال الربا لا ما سلف عقده ولم يقبض ، بقرينة قوله - الآتي - وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ [ البقرة : 279 ] . وقوله : وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ فرضوا فيه احتمالات يرجع بعضها إلى رجوع الضمير إلى « من جاءه » وبعضها إلى رجوعه إلى ما سلف ، والأظهر أنّه راجع إلى من جاءه لأنّه المقصود ، وأنّ معنى وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ أنّ أمر جزائه على الانتهاء موكول إلى اللّه تعالى ، وهذا من الإيهام المقصود منه التفخيم . فالمقصود الوعد بقرينة مقابلته بالوعيد في قوله : وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . وجعل العائد خالدا في النار إما لأنّ المراد العود إلى قوله : إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ، أي عاد إلى استحلال الربا وذلك نفاق ؛ فإنّ كثيرا منهم قد شقّ عليهم ترك التعامل بالربا ، فعلم اللّه منهم ذلك وجعل عدم إقلاعهم عنه أمارة على كذب إيمانهم ، فالخلود على حقيقته . وإما لأنّ المراد العود إلى المعاملة بالربا ، وهو الظاهر من مقابلته بقوله : فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى والخلود طول المكث كقول لبيد : فوقفت أسألها وكيف سؤالنا * صمّا خوالد ما يبين كلامها ومنه : خلّد اللّه ملك فلان . وتمسك بظاهر هاته الآية ونحوها الخوارج القائلون بتكفير مرتكب الكبيرة كما