الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

553

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لهم عند دعاء حاجتهم إليه مع بذلهم له ما بيدهم من المال . فالتجارة معاملة بين غنيّين : ألا ترى أنّ كليهما باذل لما لا يحتاج إليه وآخذ ما يحتاج إليه ، فالمتسلّف مظنّة الفقر ، والمشتري مظنّة الغنى ، فلذلك حرم الربا لأنّه استغلال لحاجة الفقير وأحلّ البيع لأنّه إعانة لطالب الحاجات . فتبيّن أنّ الإقراض من نوع المواساة والمعروف ، وأنّها مؤكّدة التعيّن على المواسي وجوبا أو ندبا ، وأيّا ما كان فلا يحل للمقرض أن يأخذ أجرا على عمل المعروف . فأما الذي يستقرض مالا ليتّجر به أو ليوسع تجارته فليس مظنّة الحاجة ، فلم يكن من أهل استحقاق مواساة المسلمين ، فلذلك لا يجب على الغني إقراضه بحال فإذا قرضه فقد تطوّع بمعروف . وكفى بهذا تفرقة بين الحالين . وقد ذكر الفخر لحكمة تحريم الربا أسبابا أربعة : أولها أنّ فيه أخذ مال الغير بغير عوض ، وأورد عليه ما تقدم في الفرق بينه وبين البيع ، وهو فرق غير وجيه . الثاني أنّ في تعاطي الربا ما يمنع الناس من اقتحام مشاقّ الاشتغال في الاكتساب ؛ لأنّه إذا تعوّد صاحب المال أخذ الربا خفّ عنه اكتساب المعيشة ، فإذا فشا في الناس أفضى إلى انقطاع منافع الخلق لأنّ مصلحة العالم لا تنتظم إلّا بالتجارة والصناعة والعمارة . الثالث أنّه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس بالقرض . الرابع أنّ الغالب في المقرض أن يكون غنيا ، وفي المستقرض أن يكون فقيرا ، فلو أبيح الربا لتمكّن الغني من أخذ مال الضعيف . وقد أشرنا فيما مرّ في الفرق بين الربا والبيع إلى علة تحريمه وسنبسط ذلك عند قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً من سورة آل عمران [ 130 ] . هذا وقد تعرّضت الآية إلى حكم هو تحليل البيع وتحريم الربا ؛ لأنّها من قول اللّه تعالى لإعلان هذا التشريع بعد تقديم الموعظة بين يديه . و ( أل ) في كل من البيع والربا لتعريف الجنس ، فثبت بها حكم أصلين عظيمين في معاملات الناس محتاج إليهما فيها : أحدهما يسمّى بيعا والآخر يسمّى ربا . أولهما مباح معتبر كونه حاجيا للأمة ، وثانيهما محرّم ألغيت حاجيته لما عارضها من المفسدة . وظاهر تعريف الجنس أنّ اللّه أحل البيع بجنسه فيشمل التحليل سائر أفراده ، وأنّه حرم الربا بجنسه