الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

540

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقوله : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [ البقرة : 286 ] ، فهو إذا وقع في سياق النفي غير بيّن لأنّه إذا كان التقديم في صورة الإثبات مفيدا للحصر اقتضى أنّه إذا نفي فقد نفي ذلك الانحصار ؛ لأنّ الجملة المكيّفة بالقصر في حالة الإثبات هي جملة مقيّدة نسبتها بقيد الانحصار أي بقيد انحصار موضوعها في معنى محمولها . فإذا دخل عليها النفي كان مقتضيا نفي النسبة المقيّدة ، أي نفي ذلك الانحصار ، لأنّ شأن النفي إذا توجّه إلى كلام مقيّد أن ينصبّ على ذلك القيد . لكنّ أئمة الفن حين ذكروا أمثلة تقديم المسند على المسند إليه سوّوا فيها بين الإثبات - كما ذكرنا - وبين النفي نحو لا فِيها غَوْلٌ [ الصافات : 47 ] ، فقد مثل به في « الكشاف » عند قوله تعالى : لا رَيْبَ فِيهِ * [ البقرة : 2 ] فقال : « قصد تفضيل خمر الجنّة على خمور الدنيا » ، وقال السيد في شرحه هنالك « عدّ قصرا للموصوف على الصفة ، أي الغول مقصور على عدم الحصول في خمور الجنة لا يتعدّاه إلى عدم الحصول فيما يقابلها ، أو عدم الغول مقصور على الحصول فيها لا يتجاوزه إلى الحصول في هذه الخمور » . وقد أحلت عند قوله تعالى : لا رَيْبَ فِيهِ * [ البقرة : 2 ] على هذه الآية هنا ، فبنا أن نبيّن طريقة القصر بالتقديم في النفي ، وهي أنّ القصر لما كان كيفية عارضة للتركيب ولم يكن قيدا لفظيا بحيث يتوجّه النفي إليه كانت تلك الكيفية مستصحبة مع النفي ، فنحو لا فِيها غَوْلٌ يفيد قصر الغول على الانتفاء عن خمور الدنيا ولا يفيد نفي قصر الغول على الكون في خمور الجنة . وإلى هذا أشار السيّد في شرح « الكشاف » عند قوله لا رَيْبَ فِيهِ * إذ قال « وبالجملة يجعل حرف النفي جزءا أو حرفا من حروف المسند أو المسند إليه » . وعلى هذا بنى صاحب « الكشاف » فجعل وجه أن لم يقدّم الظرف في قوله : لا رَيْبَ فِيهِ * كما قدم الظرف في قوله : لا فِيها غَوْلٌ لأنّه لو أوّل لقصد أنّ كتابا آخر فيه الريب ، لا في القرآن ، وليس ذلك بمراد . فإذا تقرر هذا فقوله : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ إذا أجرى على هذا المنوال كان مفاده هداهم مقصور على انتفاء كونه عليك ، فيلزم منه استفادة إبطال انتفاء كونه على غير المخاطب ، أي إبطال انتفاء كونه على اللّه ، وكلا المفادين غير مراد إذ لا يعتقد الأول ولا الثاني . فالوجه : إما أن يكون التقديم هنا لمجرد الاهتمام كتقديم يوم الندى في قول الحريري : ما فيه من عيب سوى أنّه * يوم النّدى قسمته ضيزى بنفي كون هداهم حقا على الرسول تهوينا للأمر عليه ، فأما الدلالة على كون ذلك