الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
531
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هذه الجملة اعتراض وتذييل لما تضمنته آيات الإنفاق من المواعظ والآداب وتلقين الأخلاق الكريمة ، مما يكسب العاملين به رجاحة العقل واستقامة العمل . فالمقصود التنبيه إلى نفاسة ما وعظهم اللّه به ، وتنبيههم إلى أنّهم قد أصبحوا به حكماء بعد أن كانوا في جاهلية جهلاء . فالمعنى : هذا من الحكمة التي آتاكم اللّه ، فهو يؤتى الحكمة من يشاء ، وهذا كقوله : وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ [ البقرة : 231 ] . قال الفخر : « نبه على أنّ الأمر الذي لأجله وجب ترجيح وعد الرحمن على وعد الشيطان هو أنّ وعد الرحمن ترجّحه الحكمة والعقل ، ووعد الشيطان ترجّحه الشهوة والحسّ من حيث إنّهما يأمران بتحصيل اللذّة الحاضرة ، ولا شك أنّ حكم الحكمة هو الحكم الصادق المبرّأ عن الزيغ ، وحكم الحسّ والشهوة يوقع في البلاء والمحنة . فتعقيب قوله : وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً [ البقرة : 268 ] ، بقوله : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ إشارة إلى أنّ ما وعد به تعالى من المغفرة والفضل من الحكمة ، وأنّ الحكمة كلّها من عطاء اللّه تعالى ، وأنّ اللّه تعالى يعطيها من يشاء . والحكمة إتقان العلم وإجراء الفعل على وفق ذلك العلم ، فلذلك قيل : نزلت الحكمة على ألسنة العرب ، وعقول اليونان ، وأيدي الصينيين . وهي مشتقة من الحكم - وهو المنع - لأنّها تمنع صاحبها من الوقوع في الغلط والضلال ، قال تعالى : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ [ هود : 1 ] ، ومنه سميت الحديدة التي في اللجام وتجعل في فم الفرس ، حكمة . ومن يشاء اللّه تعالى إيتاءه الحكمة هو الذي يخلقه مستعدا إلى ذلك ، من سلامة عقله واعتدال قواه ، حتى يكون قابلا لفهم الحقائق منقادا إلى الحق إذا لاح له ، لا يصدّه عن ذلك هوى ولا عصبية ولا مكابرة ولا أنفة ، ثم ييسّر له أسباب ذلك من حضور الدعاة وسلامة البقعة من العتاة ، فإذا انضمّ إلى ذلك توجّهه إلى اللّه بأن يزيد أسبابه تيسيرا ويمنع عنه ما يحجب الفهم فقد كمل له التيسير . وفسرت الحكمة بأنّها معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بما تبلغه الطاقة ، أي بحيث لا تلتبس الحقائق المتشابهة بعضها مع بعض ولا يغلط في العلل والأسباب . والحكمة قسمت أقساما مختلفة الموضوع اختلافا باختلاف العصور والأقاليم . ومبدأ ظهور علم الحكمة في الشرق عند الهنود البراهمة والبوذيين ، وعند أهل الصين البوذيين ، وفي بلاد فارس في حكمة زرادشت ، وعند القبط في حكمة الكهنة . ثم انتقلت حكمة