الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

522

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تكسبها حسنا ليسري ذلك التحسين إلى المشبّه ، وهذا من جملة مقاصد التشبيه . وانتصب ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً على الحال بتأويل المصدر بالوصف ، أي مبتغين مرضاة اللّه ومثبّتين من أنفسهم . ولا يحسن نصبهما على المفعول له ، أما قوله « ابتغاء » فلأن مفاد الابتغاء هو مفاد اللام التي ينتصب المفعول لأجله بإضمارها ، لأنّ يؤول إلى معنى لأجل طلبهم مرضاة اللّه ، وأما قوله « وتثبيتا » فلأنّ حكمه حكم ما عطف هو عليه . والتثبيت تحقيق الشيء وترسيخه ، وهو تمثيل يجوز أن يكون لكبح النفس عن التشكّك والتردّد ، أي أنّهم يمنعون أنفسهم من التردّد في الإنفاق في وجوه البر ولا يتركون مجالا لخواطر الشحّ ، وهذا من قولهم ثبت قدمه أي لم يتردّد ولم ينكص ، فإنّ إراضة النفس على فعل ما يشق عليها لها أثر في رسوخ الأعمال حتى تعتاد الفضائل وتصير لها ديدنا . وإنفاق المال من أعظم ما ترسخ به الطاعة في النفس لأنّ المال ليس أمرا هينا على النفس ، وتكون « من » على هذا الوجه للتبعيض ، لكنه تبعيض مجازي باعتبار الأحوال ، أي تثبيتا لبعض أحوال النفس . وموقع ( من ) هذه في الكلام يدل على الاستنزال والاقتصاد في تعلّق الفعل ، بحيث لا يطلب تسلّط الفعل على جميع ذات المفعول بل يكتفى ببعض المفعول ، والمقصود الترغيب في تحصيل الفعل والاستدراج إلى تحصيله ، وظاهر كلام « الكشاف » يقتضي أنّه جعل التبعيض فيها حقيقيا . ويجوز أن يكون تثبيتا تمثيلا للتصديق أي تصديقا لوعد اللّه وإخلاصا في الدين ليخالف حال المنافقين ؛ فإنّ امتثال الأحكام الشاقة لا يكون إلّا عن تصديق للآمر بها ، أي يدلّون على تثبيت من أنفسهم . و ( من ) على هذا الوجه ابتدائية ، أي تصديقا صادرا من أنفسهم . ويجيء على الوجه الأول في تفسير التثبيت معنى أخلاقي جليل أشار إليه الفخر ، وهو ما تقرر في الحكمة الخلقية أن تكرّر الأفعال هو الذي يوجب حصول الملكة الفاضلة في النفس ، بحيث تنساق عقب حصولها إلى الكمالات باختيارها ، وبلا كلفة ولا ضجر . فالإيمان يأمر بالصدقة وأفعال البر ، والذي يأتي تلك المأمورات يثبّت نفسه بأخلاق