الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
514
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وحدة ، فأصل الوحدة هنا هي ما يثيب اللّه به على الحسنات الصغيرة ، أي ما يقع ثوابا على أقلّ الحسنات كمن همّ بحسنة فلم يعملها ، فإنّه في حسنة الإنفاق في سبيل اللّه يكون سبعمائة ضعف . قال الواحدي في أسباب النزول وغيره : إنّ هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ؛ ذلك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك حث الناس على الإنفاق في سبيل اللّه . وكان الجيش يومئذ بحاجة إلى الجهاز - وهو جيش العسرة - فجاءه عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف ، وقال عثمان بن عفان : « عليّ جهاز من لا جهاز له » فجهّز الجيش بألف بعير بأقتابها وأحلاسها وقيل جاء بألف دينار ذهبا فصبّها في حجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ومعنى قوله : وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ أنّ المضاعفة درجات كثيرة لا يعلمها إلّا اللّه تعالى ؛ لأنّها تترتّب على أحوال المتصدّق وأحوال المتصدّق عليه وأوقات ذلك وأماكنه . وللإخلاص وقصد الامتثال ومحبة الخير للناس والإيثار على النفس وغير ذلك مما يحفّ بالصدقة والإنفاق ، تأثير في تضعيف الأجر ، واللّه واسع عليم . وأعاد قوله : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إظهارا للاهتمام بهذه الصلة . وقوله : ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ جاء في عطفه بشم مع أنّ الظاهر أن يعطف بالواو ، قال في « الكشاف » : « لإظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى ، وإنّ تركهما خير من نفس الإنفاق » ؛ يعني أنّ ثم للترتيب الرتبي لا للمهلة الزمنية ترفيعا لرتبة ترك المنّ والأذى على رتبة الصدقة ؛ لأنّ العطاء قد يصدر عن كرم النفس وحبّ المحمدة فللنفوس حظّ فيه مع حظّ المعطى ، بخلاف ترك المنّ والأذى فلا حظ فيه لنفس المعطي ؛ فإنّ الأكثر يميلون إلى التبجّح والتطاول على المعطى ، فالمهلة في ( ثم ) هنا مجازية ؛ إذ شبّه حصول الشيء المهم - في عزّة حصوله - بحصول الشيء المتأخّر زمنه ، وكأنّ الذي دعا الزمخشري إلى هذا أنّه رأى معنى المهلة هنا غير مراد لأنّ المراد حصول الإنفاق وترك المنّ معا . والمنّ أصله الإنعام والفضل ، يقال منّ عليه منّا ، ثم أطلق على عدّ الإنعام على المنعم عليه ، ومنه قوله تعالى : وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [ المدثر : 6 ] ، وهو إذا ذكر بعد الصدقة والعطاء تعيّن للمعنى الثاني . وإنّما يكون المنّ في الإنفاق في سبيل اللّه بالتطاول على المسلمين والرياء بالإنفاق ، وبالتطاول على المجاهدين الذين يجهّزهم أو يحملهم ، وليس من المنّ التمدّح بمواقف