الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

504

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

اليقين فهم يزدادون توغّلا فيها يوما فيوما ، وبعكسهم الذين اختاروا الكفر على الإسلام فإنّ اختيارهم ذلك دل على ختم ضرب على عقولهم فلم يهتدوا ، فهم يزدادون في الضلال يوما فيوما . ولأجل هذا الازدياد المتجدّد في الأمرين وقع التعبير بالمضارع في - يخرجهم - ويخرجونهم - وبهذا يتّضح وجه تعقيب هذه الآيات بآية أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ [ البقرة : 258 ] ثم بآية أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ [ البقرة : 259 ] ثم بآية وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى فإنّ جميعها جاء لبيان وجوه انجلاء الشك والشبهات عن أولياء اللّه تعالى الذين صدق إيمانهم ، ولا داعي إلى ما في « الكشاف » وغيره من تأويل الذين آمنوا والذين كفروا بالذين أرادوا ذلك ، وجعل النور والظلمات تشبيها للإيمان والكفر ، لما علمت من ظهور المعنى بما يدفع الحاجة إلى التأويل بذلك ، ولا يحسن وقعه بعد قوله : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ، ولقوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ فإنّه متعيّن للحمل على زيادة تضليل الكافر في كفره بمزيد الشك كما في قوله : فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ - إلى قوله - وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [ هود : 101 ] ، ولأن الطاغوت كانوا أولياء للذين آمنوا قبل الإيمان فإنّ الجميع كانوا مشركين ، وكذلك ما أطال به فخر الدين من وجود الاستدلال على المعتزلة واستدلالهم علينا . وجملة يخرجهم خبر ثان عن اسم الجلالة . وجملة يخرجونهم حال من الطاغوت . وأعيد الضمير إلى الطاغوت بصيغة جمع العقلاء لأنّه أسند إليهم ما هو من فعل العقلاء وإن كانوا في الحقيقة سبب الخروج لا مخرجين . وتقدم الكلام على الطاغوت عند قوله تعالى : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى [ البقرة : 256 ] . [ 258 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 258 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 258 ) جرى هذا الكلام مجرى الحجة على مضمون الجملة الماضية أو المثال لها ؛ فإنّه لما ذكر أنّ اللّه يخرج الذين آمنوا من الظلمات إلى النور وأنّ الطاغوت يخرجون الذين كفروا من النور إلى الظلمات ، ساق ثلاثة شواهد على ذلك هذا أولها وأجمعها لأنّه اشتمل على ضلال الكافر وهدى المؤمن ، فكان هذا في قوّة المثال . والمقصود من هذا تمثيل حال المشركين في مجادلتهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في البعث بحال