الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
501
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ التوبة : 29 ] كما نسخ حديث « أمرت أن أقاتل الناس » ، هذا ما يظهر لنا في معنى الآية ، واللّه أعلم . ولأهل العلم قبلنا فيها قولان : الأول قال ابن مسعود وسليمان بن موسى : هي منسوخة بقوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ [ التوبة : 73 ] ، فإنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أكره العرب على الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلّا به . ولعلهما يريدان من النسخ معنى التخصيص . والاستدلال على نسخها بقتال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم العرب على الإسلام ، يعارضه أنّه عليه السلام أخذ الجزية من جميع الكفّار ، فوجه الجمع هو التنصيص . القول الثاني أنها محكّمة ولكنّها خاصة ، فقال الشعبي وقتادة والحسن والضحاك هي خاصة بأهل الكتاب فإنّهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدّوا الجزية وإنّما يجبر على الإسلام أهل الأوثان ، وإلى هذا مال الشافعي فقال : إنّ الجزية لا تؤخذ إلّا من أهل الكتاب والمجوس . قال ابن العربي في الأحكام « وعلى هذا فكل من رأى قبول الجزية من جنس يحمل الآية عليه » ، يعني مع بقاء طائفة يتحقق فيها الإكراه . وقال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد : نزلت هذه الآية في الأنصار كانوا في الجاهلية إذا كانت المرأة منهم مقلاتا - أي لا يعيش لها ولد - « 1 » تنذر إن عاش لها ولد أن تهوّده ، فلما جاء الإسلام وأسلموا كان كثير من أبناء الأنصار يهودا فقالوا : لا ندع أبناءنا بل نكرههم على الإسلام ، فأنزل اللّه تعالى : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ . وقال السدي : نزلت في قصة رجل من الأنصار يقال له أبو حصين من بني سلمة بن عوف وله ابنان جاء تجّار من نصارى الشام إلى المدينة فدعوهما إلى النصرانية ، فتنصّرا وخرجا معهم ، فجاء أبوهما فشكا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وطلب أن يبعث من يردّهما مكرهين فنزلت لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ، ولم يؤمر يومئذ بالقتال ثم نسخ ذلك بآيات القتال . وقيل : إن المراد بنفي الإكراه نفي تأثيره في إسلام من أسلم كرها فرارا من السيف ، على معنى قوله تعالى : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ النساء : 94 ] . وهذا القول تأويل في معنى الإكراه وحمل للنفي على الإخبار دون الأمر . وقيل : إنّ المراد بالدين التوحيد ودين له كتاب سماوي وإنّ نفي الإكراه نهي ،
--> ( 1 ) المقلات - بكسر الميم - مشتقة من القلت بالتحريك وهو الهلاك ، وعليه فالتاء فيه أصلية وليست هاء تأنيث ، ووقع في كلام ابن عباس تكون المرأة مقلى ، رواه الطبري فيكون مقلاة مفعلة من قلى إذا أبغض .