الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
499
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « صدقك وذلك شيطان » ، وأخرج مسلم عن أبي ابن كعب أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال له : « يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب اللّه معك أعظم - قلت - اللّه لا إله إلّا هو الحيّ القيوم ، فضرب في صدري وقال : واللّه ليهنك العلم أبا المنذر » . وروى النسائي : « من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلّا الموت » ، وفيها فضائل كثيرة مجرّبة للتأمين على النفس والبيت . [ 256 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 256 ] لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 256 ) استئناف بياني ناشئ عن الأمر بالقتال في سبيل الله في قوله : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ البقرة : 244 ] إذ يبدو للسامع أن القتال لأجل دخول العدو في الإسلام فبيّن في هذه الآية أنه لا إكراه على الدخول في الإسلام وسيأتي الكلام على أنّها محكمة أو منسوخة . وتعقيب آية الكرسي بهاته الآية بمناسبة أنّ ما اشتملت عليه الآية السابقة من دلائل الوحدانية وعظمة الخالق وتنزيهه عن شوائب ما كفرت به الأمم ، من شأنه أن يسوق ذوي العقول إلى قبول هذا الدين الواضح العقيدة ، المستقيم الشريعة ، باختيارهم دون جبر ولا إكراه ، ومن شأنه أن يجعل دوامهم على الشرك بمحل السؤال : أيتركون عليه أم يكرهون على الإسلام ، فكانت الجملة استئنافا بيانيا . والإكراه الحمل على فعل مكروه ، فالهمزة فيه للجعل ، أي جعله ذا كراهية ، ولا يكون ذلك إلّا بتخويف وقوع ما هو أشدّ كراهية من الفعل المدعو إليه . والدين تقدم بيانه عند قوله : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة : 3 ] ، وهو هنا مراد به الشرع . والتعريف في الدين للعهد ، أي دين الإسلام . ونفي الإكراه خير في معنى النهي ، والمراد نفي أسباب الإكراه في حكم الإسلام ، أي لا تكرهوا أحدا على أتباع الإسلام قسرا ، وجيء بنفي الجنس لقصد العموم نصا . وهي دليل واضح على إبطال الإكراه على الدّين بسائر أنواعه ، لأنّ أمر الإيمان يجري على الاستدلال ، والتمكين من النظر ، وبالاختيار . وقد تقرر في صدر الإسلام قتال المشركين