الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
497
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الاحتواء على جميع أطرافه بحيث لا يشذّ منه شيء من أوله ولا آخره ، فالمعنى لا يعلمون - علم اليقين - شيئا من معلوماته ، وأمّا ما يدّعونه فهو رجم بالغيب . فالعلم في قوله : مِنْ عِلْمِهِ بمعنى المعلوم ، كالخلق بمعنى المخلوق ، وإضافته إلى ضمير اسم الجلالة تخصيص له بالعلوم اللدنية التي استأثر اللّه بها ولم ينصب اللّه تعالى عليها دلائل عقلية أو عادية . ولذلك فقوله : إِلَّا بِما شاءَ تنبيه على أنّه سبحانه قد يطلع بعض أصفيائه على ما هو من خواصّ علمه كقوله : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 26 ، 27 ] . وقوله : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ تقرير لما تضمّنته الجمل كلّها من عظمة اللّه تعالى وكبريائه وعلمه وقدرته وبيان عظمة مخلوقاته المستلزمة عظمة شأنه ، أو لبيان سعة ملكه - كذلك - كما سنبيّنه ، وقد وقعت هذه الجمل مترتبة متفرّعة . والكرسي شيء يجلس عليه متركب من أعواد أو غيرها موضوعة كالأعمدة متساوية ، عليها سطح من خشب أو غيره بمقدار ما يسع شخصا واحدا في جلوسه ، فإن زاد على مجلس واحد وكان مرتفعا فهو العرش . وليس المراد في الآية حقيقة الكرسي إذ لا يليق باللّه تعالى لاقتضائه التحيّز ، فتعين أن يكون مرادا به غير حقيقته . والجمهور قالوا : إنّ الكرسي مخلوق عظيم ، ويضاف إلى اللّه تعالى لعظمته ، فقيل هو العرش ، وهو قول الحسن . وهذا هو الظاهر لأنّ الكرسي لم يذكر في القرآن إلّا في هذه الآية وتكرّر ذكر العرش ، ولم يرد ذكرهما مقترنين ، فلو كان الكرسي غير العرش لذكر معه كما ذكرت السماوات مع العرش في قوله تعالى : قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [ المؤمنون : 86 ] ، وقيل الكرسي غير العرش ، فقال ابن زيد هو دون العرش وروي في ذلك عن أبي ذر أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما الكرسي في العرش إلّا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض » وهو حديث لم يصح . وقال أبو موسى الأشعري والسدى والضحاك : الكرسي موضع القدمين من العرش ، أي لأنّ الجالس على عرش يكون مرتفعا عن الأرض فيوضع له كرسي لئلا تكون رجلاه في الفضاء إذا لم يتربّع ، وروي هذا عن ابن عباس . وقيل الكرسي مثل لعلم اللّه ، وروي عن ابن عباس لأنّ العالم يجلس على كرسي ليعلّم الناس . وقيل مثل لملك اللّه تعالى كما يقولون فلان صاحب كرسي العراق أي ملك العراق ، قال البيضاوي : « ولعلّه الفلك المسمّى عندهم بفلك البروج » . قلت أثبت القرآن سبع سماوات ولم يبيّن مسمّاها في قوله ( سورة نوح ) : أَ لَمْ