الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

494

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تصاعد الأبخرة البدنية الناشئة عن الهضم والعمل العصبي ، فيشتدّ عند مغيب الشمس ومجيء الظلمة فيطلب الدماغ والجهاز العصبي الذي يدبّره الدماغ استراحة طبيعية فيغيب الحسّ شيئا فشيئا وتثقل حركة الأعضاء ، ثم يغيب الحسّ إلى أن تسترجع الأعصاب نشاطها فتكون اليقظة . ونفي استيلاء السنة والنوم على اللّه تعالى تحقيق لكمال الحياة ودوام التدبير ، وإثبات لكمال العلم ؛ فإنّ السنة والنوم يشبهان الموت ، فحياة النائم في حالهما حياة ضعيفة ، وهما يعوقان عن التدبير وعن العلم بما يحصل في وقت استيلائهما على الإحساس . ونفي السنة عن اللّه تعالى لا يغني عن نفي النوم عنه لأنّ من الأحياء من لا تعتريه السنة فإذا نام نام عميقا ، ومن الناس من تأخذه السنة في غير وقت النوم غلبة ، وقد تمادحت العرب بالقدرة على السهر ، قال أبو كبير : فأتت به حوش الفؤاد مبطّنا * سهدا إذا ما نام ليل الهوجل والمقصود أنّ اللّه لا يحجب علمه شيء حجبا ضعيفا ولا طويلا ولا غلبة ولا اكتسابا ، فلا حاجة إلى ما تطلّبه الفخر والبيضاوي من أن تقديم السنة على النوم مراعى فيه ترتيب الوجود ، وأنّ ذكر النوم من قبيل الاحتراس . وقد أخذ هذا المعنى بشّار وصاغه بما يناسب صناعة الشعر فقال : وليل دجوجي تنام بناته * وأبناؤه من طوله « 1 » وربائبه فإنّه أراد من بنات الليل وأبنائه الساهرات والساهرين بمواظبة ، وأراد بربائب الليل من هم أضعف منهم سهرا لليل لأنّ الربيب أضعف نسبة من الولد والبنت . وجملة لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تقرير لانفراده بالإلهية إذ جميع الموجودات مخلوقاته ، وتعليل لاتّصافه بالقيّوميّة لأنّ من كانت جميع الموجودات ملكا له فهو حقيق بأن يكون قيّومها وألّا يهملها ولذلك فصلت الجملة عن التي قبلها . واللام للملك . والمراد بالسماوات والأرض استغراق أمكنة الموجودات ، فقد دلت الجملة على عموم الموجودات بالموصول وصلته ، وإذا ثبت ملكه للعموم ثبت أنّه لا يشذّ

--> ( 1 ) كتب في نسخة ديوان بشار « هوله » بهاء في أوله وطبع كذلك وبدا لي بعد ذلك أنه تحريف وأن الصواب « طوله » بطاء عوض الهاء لأنه المناسب لقوله : « تنام » .