الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
488
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
صم المسلمون عن هذه النصيحة الجليلة فاختلفوا خلافا بلغ بهم إلى التكفير والقتال ، وأوّله خلاف الردة في زمن أبي بكر ، ثم خلاف الحرورية في زمن عليّ وقد كفّروا عليا في قبوله تحكيم الحكمي ، ثم خلاف أتباع المقنّع بخراسان الذي ادعى الإلهية واتخذ وجها من ذهب ، وظهر سنة 159 وهلك سنة 163 ، ثم خلاف القرامطة مع بقية المسلمين وفيه شائبة من الخلاف المذهبي لأنّهم في الأصل من الشيعة ثم تطرفوا فكفروا وادّعوا الحلول - أي حلول الرب في المخلوقات - واقتلعوا الحجر الأسود من الكعبة وذهبوا به إلى بلدهم في البحرين ، وذلك من سنة 293 . واختلف المسلمون أيضا خلافا كثيرا في المذاهب جرّ بهم تارات إلى مقاتلات عظيمة ، وأكثرها حروب الخوارج غير المكفّرين لبقية الأمة في المشرق ، ومقاتلات أبي يزيد النكارى الخارجي بالقيروان وغيرها سنة 333 ، ومقاتلة الشيعة وأهل السنة بالقيروان سنة 407 ، ومقاتلة الشافعية والحنابلة ببغداد سنة 475 ، ومقاتلة الشيعة وأهل السنة بها سنة 445 ، وأعقبتها حوادث شر بينهم متكررة إلى أن اصطلحوا في سنة 502 وزال الشر بينهم ، وقتال الباطنية المعروفين بالإسماعيلية لأهل السنة في ساوة وغيرها من سنة 494 إلى سنة 523 . ثم انقلبت إلى مقاتلات سياسية . ثم انقلبوا أنصارا للإسلام في الحروب الصليبية ، وغير ذلك من المقاتلات الناشئة عن التكفير والتضليل . لا نذكر غيرها من مقاتلات الدول والأحزاب التي نخرت عظم الإسلام . وتطرّقت كل جهة منه حتى البلد الحرام . فالآية تنادي على التعجيب والتحذير من فعل الأمم في التقاتل للتخالف حيث لم يبلغوا في أصالة العقول أو في سلامة الطوايا إلى الوسائل التي يتفادون بها عن التقاتل ، فهم ملومون من هذه الجهة ، ومشيرة إلى أنّ اللّه تعالى لو شاء لخلقهم من قبل على صفة أكمل مما هم عليه حتى يستعدّوا بها إلى الاهتداء إلى الحق وإلى التبصّر في العواقب قبل ذلك الإبّان ، فانتفاء المشيئة راجع إلى حكمة الخلقة ، واللوم والحسرة راجعان إلى التقصير في امتثال الشريعة ، ولذلك قال : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ فأعاد وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا تأكيدا للأول وتمهيدا لقوله : وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ليعلم الواقف على كلام اللّه تعالى أنّ في هدى اللّه تعالى مقنعا لهم لو أرادوا الاهتداء ، وأنّ في سعة قدرته تعالى عصمة لهم لو خلقهم على أكمل من هذا الخلق كما خلق الملائكة . فاللّه يخلق ما يشاء ولكنّه يكمل حال الخلق بالإرشاد والهدى ، وهم يفرّطون في ذلك . [ 254 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 254 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 254 )