الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
471
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قيل : ومن ذلك عصا موسى . ويجوز أن تكون البقية مجازا عن النفيس من الأشياء ؛ لأن الناس إنما يحافظون ، على النفائس فتبقى كما قال النابغة : بقيّة قدر من قدور توورثت * لآل الجلاح كابرا بعد كابر وقد فسر بهذا المعنى قول رويشد الطائي : إن تذنبوا ثم تأتيني بقيتكم * فما عليّ بذنب منكم فوت أي تأتيني الجماعة الذين ترجعون إليهم في مهامكم ، وقريب منه إطلاق التليد على القديم من المال الموروث . والمراد من آل موسى وآل هارون أهل بيتهما من أبناء هارون ؛ فإنهم عصبة موسى ؛ لأن موسى لم يترك أولادا ، أو ما تركه آلهما هو آثارهما ، فيئول إلى معنى ما ترك موسى وهارون وآلهما ، أو أراد مما ترك موسى وهارون فلفظ آل مقحم كما في قوله أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [ غافر : 46 ] . وهارون هو أخو موسى عليهما السلام وهو هارون بن عمران من سبط لاوي ولد قبل أن يأمر فرعون بقتل أطفال بني إسرائيل وهو أكبر من موسى ، ولما كلم اللّه موسى بالرسالة أعلمه بأنه سيشرك معه أخاه هارون فيكون كالوزير له ، وأوحى إلى هارون أيضا ، وكان موسى هو الرسول الأعظم ، وكان معظم وحي اللّه إلى هارون على لسان موسى ، وقد جعل اللّه هارون أول كاهن لبني إسرائيل لما أقام لهم خدمة خيمة العبادة ، وجعل الكهانة في نسله ، فهم يختصون بأحكام لا تشاركهم فيها بقية الأمة ، منها تحريم الخمر على الكاهن ، ومات هارون سنة ثمان أو سبع وخمسين وأربعمائة وألف قبل المسيح ، في جبل هور على تخوم أرض أدوم في مدة التيه في السنة الثالثة من الخروج من مصر . وقوله : تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ حال من ( التابوت ) ، والحمل هنا هو الترحيل كما في قوله تعالى : قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ [ التوبة : 92 ] لأن الراحلة تحمل راكبها ؛ ولذلك تسمى حمولة وفي حديث غزوة خيبر : « وكانت الحمر حمولتهم » وقال النابغة : يخال به راعي الحمولة طائرا فمعنى حمل الملائكة التابوت هو تسييرهم بإذن اللّه البقرتين السائرتين بالعجلة التي عليها التابوت إلى محلة بني إسرائيل ، من غير أن يسبق لهما إلف بالسير إلى تلك الجهة ، هذا هو الملاقى لما في كتب بني إسرائيل .