الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

468

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقد قال الراجز : قدني من نصر الخبيبين قدي * ليس الإمام بالشحيح الملحد فقولهم : وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ جملة حالية ، والضمير من المتكلمين ، وهم قادة بني إسرائيل وجعلوا الجملة حالا للدلالة على أنهم لما ذكروا أحقيتهم بالملك لم يحتاجوا إلى الاستدلال على ذلك ؛ لأن هذا الأمر عندهم مسلم معروف ، إذ هم قادة وعرفاء ، وشاوول رجل من السوقة ، فهذا تسجيل منهم بأرجحيتهم عليه ، وقوله : وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ معطوفة على جملة الحال فهي حال ثانية . وهذا إبداء مانع فيه من ولايته الملك في نظرهم ، وهو أنه فقير ، وشأن الملك أن يكون ذا مال ليكفي نوائب الأمة فينفق المال في العدد والعطاء وإغاثة الملهوف ، فكيف يستطيع من ليس بذي مال أن يكون ملكا ، وإنما قالوا هذا لقصورهم في معرفة سياسة الأمم ونظام الملك ؛ فإنهم رأوا الملوك المجاورين لهم في بذخة وسعة ، فظنوا ذلك من شروط الملك . ولذا أجابهم نبيئهم بقوله : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ رادّا على قولهم : وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ فإنهم استندوا إلى اصطفاء الجمهور إياهم فأجابهم بأنه أرجح منهم لأن اللّه اصطفاه ، وبقوله : وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ رادا عليهم قولهم : وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ أي زاده عليكم بسطة في العلم والجسم ، فأعلمهم نبيئهم أن الصفات المحتاج إليها في سياسة أمر الأمة ترجع إلى أصالة الرأي وقوة البدن ؛ لأنه بالرأي يهتدي لمصالح الأمة ، لا سيما في وقت المضائق ، وعند تعذر الاستشارة أو عند خلاف أهل الشورى وبالقوة يستطيع الثبات في مواقع القتال فيكون بثباته ثبات نفوس الجيش . وقدم النبي في كلامه العلم على القوة لأن وقعه أعظم ، قال أبو الطيب : الرأي قبل شجاعة الشجعان * هو أوّل وهي المحل الثاني فالعلم المراد هنا ، هو علم تدبير الحرب وسياسة الأمة ، وقيل : هو علم النبوءة ، ولا يصح ذلك لأن طالوت لم يكن معدودا من أنبيائهم . ولم يجبهم نبيئهم عن قوله : وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ اكتفاء بدلالة اقتصاره على قوله : وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ فإنه ببسطة العلم وبالنصر يتوافر له المال ؛ لأن « المال تجلبه الرعية » كما قال أرسطاطاليس ، ولأن الملك ولو كان ذا ثروة ، فثروته لا تكفي لإقامة أمور المملكة ولهذا لم يكن من شرط ولاة الأمور من الخليفة فما دونه أن يكون ذا سعة ، وقد ولي على الأمة أبو بكر وعمر وعلي ولم يكونوا ذوي يسار ، وغنى الأمة في