الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
461
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المنفق في سبيل اللّه ، والتقتير على البخيل . وفي الحديث « اللهم أعط منفقا خلفا وممسكا تلفا » وفي ابن عطية عن الحلواني عن قالون عن نافع « أنه لا يبالي كيف قرأ يبسط وبسطه بالسين أو بالصاد » أي لأنهما لغتان مثل الصراط والسراط ، والأصل هو السين ، ولكنها قلبت صادا في بصطه ويبصط لوجود الطاء بعدها ، ومخرجها بعيد عن مخرج السين ؛ لأن الانتقال من السين إلى الطاء ثقيل بخلاف الصاد . وقوله : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ خبر مستعمل في التنبيه والتذكير بأن ما أعد لهم في الآخرة من الجزاء على الإنفاق في سبيل اللّه أعظم مما وعدوا به من الخير في الدنيا ، وفيه تعريض بأن الممسك البخيل عن الإنفاق في سبيل اللّه محروم من خير كثير . روي أنه لما نزلت الآية جاء أبو الدحداح إلى رسول اللّه عليه الصلاة والسلام فقال : « أو أنّ اللّه يريد منا القرض ؟ قال : نعم يا أبا الدحداح ، قال : أرني يدك » فناوله يده فقال : « فإني أقرضت اللّه حائطا فيه ستمائة نخلة » فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « كم من عذق رداح ودار فساح في الجنة لأبي الدحداح » . [ 246 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 246 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 246 ) جملة : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ استئناف ثان من جملة أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [ البقرة : 243 ] سيق مساق الاستدلال لجملة وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ البقرة : 190 ] وفيها زيادة تأكيد لفظاعة حال التقاعس عن القتال بعد التهيؤ له في سبيل اللّه ، والتكرير في مثله يفيد مزيد تحذير وتعريض بالتوبيخ ؛ فإن المأمورين بالجهاد في قوله : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يخلون من نفر تعتريهم هواجس تثبطهم عن القتال ، حبا للحياة ومن نفر تعترضهم خواطر تهون عليهم الموت عند مشاهدة أكدار الحياة ، ومصائب المذلة ، فضرب اللّه لهذين الحالين مثلين : أحدهما ما تقدم في قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ والثاني قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وقد قدم أحدهما وأخر الآخر ليقع التحريض على القتال بينهما . ومناسبة تقديم الأولى أنها تشنع حال الذين استسلموا واستضعفوا أنفسهم ، فخرجوا