الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

448

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

هذا التفريع غرضين : أحدهما بصريح لفظه ، والآخر بلازم معناه . والخوف هنا خوف العدو ، وبذلك سميت صلاة الخوف ، والعرب تسمي الحرب بأسماء الخوف فيقولون الرّوع ويقولون الفزع ، قال عمرو بن كلثوم : وتحملنا غداة الروع جرد البيت . وقال سبرة بن عمر الفقعسي : ونسوتكم في الروع باد وجوهها * يخلن إماء والإماء حرائر و في الحديث : « إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع » ولا يعرف إطلاق الخوف على الحرب قبل القرآن قال تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ [ البقرة : 155 ] . والمعنى : فإن حاربتم أو كنتم في حرب ، ومنه سمى الفقهاء صلاة الخوف الصلاة التي يؤديها المسلمون وهم يصافون العدو في ساحة الحرب وإيثار كلمة الخوف في هذه الآية لتشمل خوف العدو وخوف السباع وقطاع الطريق ، وغيرها . و فَرِجالًا جمع راجل كالصحاب و رُكْباناً جمع راكب وهما حالان من محذوف أي فصلوا رجالا أو ركبانا وهذا في معنى الاستثناء من قوله : وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ [ البقرة : 238 ] لأن هاته الحالة تخالف القنوت في حالة الترجل ، وتخالفهما معا في حالة الركوب . والآية إشارة إلى أن صلاة الخوف لا يشترط فيها الخشوع ، لأنها تكون مع الاشتغال بالقتال ولا يشترط فيها القيام . وهذا الخوف يسقط ما ذكر من شروط الصلاة ، وهو هنا صلاة الناس فرادى ، وذلك عند مالك إذا اشتد الخوف وأظلهم العدو ولم يكن حصن بحيث تتعذر الصلاة جماعة مع الإمام ، وليست هذه الآية لبيان صلاة الجيش في الحرب جماعة المذكورة في سورة النساء ، والظاهر أن اللّه شرع للناس في أول الأمر صلاة الخوف فرادى على الحال التي يتمكنون معها من مواجهة العدو ، ثم شرع لهم صلاة الخوف جماعة في سورة النساء ، وأيضا شملت هذه الآية كل خوف من سباع أو قطاع طريق أو من سيل الماء ، قال مالك : وتستحب إعادة الصلاة ، وقال أبو حنيفة : يصلون كما وصف اللّه ويعيدون ، لأن القتال في الصلاة مفسد عنده . وقوله : فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ أراد الصلاة أي ارجعوا إلى الذكر المعروف . وجاء في الأمن بإذا وفي الخوف بأن بشارة للمسلمين بأنهم سيكون لهم النصر والأمن .