الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

436

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والعفو عنه . وحقيقة الجناح الإثم كما تقدم في قوله : فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [ البقرة : 158 ] . ولا يعرف إطلاق الجناح على غير معنى الإثم ، ولذلك حمله جمهور المفسرين هنا على نفي الإثم في الطلاق ، ووقع في « الكشاف » تفسير الجناح بالتبعة فقال : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ لا تبعة عليكم من إيجاب المهر ثم قال : والدليل على أن الجناح تبعة المهر ، قوله : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ إلى قوله : فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ فقوله : فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إثبات للجناح المنفي ثمة » وقال ابن عطية وقال قوم : لا جناح عليكم معناه لا طلب بجميع المهر فعلمنا أن صاحب « الكشاف » مسبوق بهذا التأويل ، وهو لم يذكر في « الأساس » هذا المعنى للجناح حقيقة ولا مجازا ، فإنما تأوله من تأوله تفسيرا لمعنى الكلام كله لا لكلمة جُناحَ وفيه بعد ، ومحمله على أن الجناح كناية بعيدة عن التبعة بدفع المهر . والوجه ما حمل عليه الجمهور لفظ الجناح ، وهو معناه المتعارف ، وفي « تفسير ابن عطية » عن مكي بن أبي طالب « لا جناح عليكم في الطلاق قبل البناء ؛ لأنه قد يقع الجناح على المطلق بعد أن كان قاصدا للذوق ، وذلك مأمون قبل المسيس » وقريب منه في الطيبي عن الراغب - أي في « تفسيره » - . فالمقصود من الآية تفصيل أحوال دفع المهر أو بعضه أو سقوطه ، وكأن قوله : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ إلى آخره تمهيد لذلك وإدماج لإباحة الطلاق قبل المسيس لأنه بعيد عن قصد التذوق ، وأبعد من الطلاق بعد المسيس عن إثارة البغضاء بين الرجل والمرأة ، فكان أولى أنواع الطلاق بحكم الإباحة الطلاق قبل البناء . قال ابن عطية وغيره : إنه لكثرة ما خص الرسول عليه الصلاة والسلام المؤمنين على أن يقصدوا من التزوج دوام المعاشرة ، وكان ينهى عن فعل الذواقين الذين يكثرون تزوج النساء وتبديلهن ، ويكثر النهي عن الطلاق حتى قد يظن محرما ، فأبانت الآية إباحته بنفي الجناح بمعنى الوزر . والنساء : الأزواج ، والتعريف فيه تعريف الجنس ، فهو في سياق النفي للعموم ، أي لا جناح في تطليقكم الأزواج ، و ( ما ) ظرفية مصدرية ، والمسيس هنا كناية عن قربان المرأة . و ( أو ) في قوله : أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً عاطفة على تَمَسُّوهُنَّ المنفي ، و ( أو ) إذا وقعت في سياق النفي تفيد مفاد واو العطف فتدل على انتفاء المعطوف والمعطوف عليه