الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

400

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

طلاقا بالمرة ، واحتج بأن القرآن ذكر الطلاق المفرّق ولم يذكر المجموع فلا يلزم لأنه غير مذكور في القرآن . ولو احتج لهما بأنه منهي عنه والمنهي عنه فاسد لكان قريبا ، لولا أن الفساد لا يعتري الفسوخ ، وهذا مذهب شاذ وباطل ، وقد أجمع المسلمون على عدم العمل به ، وكيف لا يقع طلاقا وفيه لفظ الطلاق . وذهب ابن جبير وعطاء وابن دينار وجابر بن زيد إلى أن طلاق البكر ثلاثا في كلمة يقع طلقة واحدة ، لأنه قبل البناء بخلاف طلاق بالمبني بها وكأنّ وجه قولهم فيه : وأن معنى الثلاث فيه كناية عن البينونة والمطلقة قبل البناء تبينها الواحدة . ووصف زَوْجاً غَيْرَهُ تحذير للأزواج من الطلقة الثالثة ، لأنه بذكر المغايرة يتذكر أن زوجته ستصير لغيره كحديث الواعظ الذي اتعظ بقول الشاعر : اليوم عندك دلّها وحديثها * وغدا لغيرك زندها والمعصم وأسند الرجعة إلى المتفارقين بصيغة المفاعلة لتوقفها على رضا الزوجة بعد البينونة ثم علق ذلك بقوله : إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أي أن يسيرا في المستقبل على حسن المعاشرة وإلا فلا فائدة في إعادة الخصومات . و حُدُودَ اللَّهِ هي أحكامه وشرائعه ، شبهت بالحدود لأن المكلف لا يتجاوزها فكأنه يقف عندها . وحقيقة الحدود هي الفواصل بين الأرضين ونحوها وقد تقدم في قوله : إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [ البقرة : 229 ] والإقامة استعارة لحفظ الأحكام تبعا لاستعارة الحدود إلى الأحكام كقولهم : نقض فلان غزله ، وأما قوله : وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها فالبيان صالح لمناسبة المعنى الحقيقي والمجازي ؛ لأنّ إقامة الحدّ الفاصل فيه بيان للناظرين . والمراد ب لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ، الذين يفهمون الأحكام فهما يهيئهم للعمل بها ، وبإدراك مصالحها ، ولا يتحيلون في فهمها . وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ الواو اعتراضية ، والجملة معترضة بين الجملتين المعطوفة إحداهما على الأخرى ، وموقع هذه الجملة كموقع جملة تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها [ البقرة : 229 ] المتقدمة آنفا . و وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ تقدم الكلام عليها قريبا .