الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
398
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وعبد الرحمن ابن عوف والزبير بن العوام ومحمد بن إسحاق وحجاج بن أرطاة وطاوس والظاهرية وجماعة من مالكية الأندلس : منهم محمد بن زنباع ، ومحمد بن بقي بن مخلد ، ومحمد بن عبد السلام الخشني ، فقيه عصره بقرطبة ، وأصبغ بن الحباب من فقهاء قرطبة ، وأحمد بن مغيث الطليطلي الفقيه الجليل ، وقال ابن تيمية من الحنابلة : إن طلاق الثلاث في كلمة واحدة لا يقع إلا طلقة واحدة وهو الأرجح من جهة النظر والأثر . واحتجوا بحجج كثيرة أولاها وأعظمها هذه الآية فإن اللّه تعالى جعل الطلاق مرتين ثم ثالثة ، ورتب حرمة العود على حصول الثالثة بالفعل لا بالقول ، فإذا قال الرجل لامرأته : هي طالق طلاقا ولم تكن تلك الطلقة ثالثة بالفعل والتكرر كذب في وصفها بأنها ثلاث ، وإنما هي واحدة أو ثانية فكيف يقدم على تحريم عودها إليه واللّه تعالى لم يحرم عليه ذلك ، قال ابن عباس : « وهل هو إلا كمن قال : قرأت سورة البقرة ثلاث مرات وقد قرأها واحدة فإن قوله ثلاث مرات يكون كاذبا » . الثانية أن اللّه تعالى قصد من تعدد الطلاق التوسعة على الناس ؛ لأن المعاشر لا يدري تأثير مفارقة عشيره إياه ، فإذا طلق الزوج امرأته يظهر له الندم وعدم الصبر على مفارقتها ، فيختار الرجوع فلو جعل الطلقة الواحدة مانعة بمجرد اللفظ من الرجعة ، تعطل المقصد الشرعي من إثبات حق الرجعة ، قال ابن رشد الحفيد في « البداية » « 1 » « وكأن الجمهور غلبوا حكم التغليظ في الطلاق سدا للذريعة ولكن تبطل بذلك الرخصة الشرعية والرفق المقصود من قوله تعالى : لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً [ الطلاق : 1 ] . الثالثة قال ابن مغيث : إن اللّه تعالى يقول : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وموقع الثلاث غير محسن ، لأن فيها ترك توسعة اللّه تعالى ، وقد يخرّج هذا بقياس على غير مسألة في « المدونة » : من ذلك قول الإنسان : ما لي صدقة في المساكين قال مالك يجزئه الثلث . الرابعة احتجوا بحديث ابن عباس في « الصحيحين » « كان طلاق الثلاث في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر طلقة واحدة » . وأجاب عنه الجمهور بأن راويه طاوس وقد روى بقية أصحاب ابن عباس عنه أنه قال من طلق امرأته ثلاثا فقد عصى ربه وبانت منه زوجه ، وهذا يوهن رواية طاوس ، فإن
--> ( 1 ) « بداية المجتهد » لابن رشد الحفيد ( 2 / 62 ) ، ط دار المعرفة .