الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

396

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المرأة قول ابن الزّبير « 1 » : وفي الناس إن رثّت حبالك وأصل * وفي الأرض عن دار القلى متحول وفي الطيبي قال الزجاج : « إنما جعل اللّه ذلك لعلمه بصعوبة تزوج المرأة على الرجل فحرم عليهما التزوج بعد الثلاث لئلا يعجلوا وأن يثبتوا » وقد علم السامعون أن اشتراط نكاح زوج آخر هو تربية للمطلقين ، فلم يخطر ببال أحد إلا أن يكون المراد من النكاح في الآية حقيقته وهي العقد ، إلا أن العقد لما كان وسيلة لما يقصد له في غالب الأحوال من البناء وما بعده ، كان العقد الذي لا يعقبه وطء العاقد لزوجه غير معتد به فيما قصد منه ، ولا يعبأ المطلق الموقع الثلاث بمجرد عقد زوج آخر لم يمس فيه المرأة ، ولذلك لما طلق رفاعة بن سموأل القرظي زوجه تميمة ابنة وهب طلقة صادفت أخرى الثلاث ، وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزّبير القرظي ، جاءت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت له : « يا رسول اللّه إن رفاعة طلقني فبت طلاقي ، وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني وإنما معه مثل هدبة « 2 » هذا الثوب » وأشارت إلى هدب ثوب لها فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة » قالت « نعم » قال « لا ، حتى تذوقي عسيلته » الحديث ، فدل سؤالها على أنها تتوقع عدم الاعتداد بنكاح ابن الزبير في تحليل من بتها ، لعدم حصول المقصود من النكاية والتربية بالمطلق ، فاتفق علماء الإسلام على أن النكاح الذي يحل المبتوتة هو دخول الزوج الثاني بالمرأة ومسيسه لها ، ولا أحسب دليلهم في ذلك إلا الرجوع إلى مقصد الشريعة ، الذي علمه سائر من فهم هذا الكلام العربي الفصيح ، فلا حاجة بنا إلى متح دلاء الاستدلال بأن هذا من لفظ النكاح المراد به في خصوص هذه الآية المسيس أو هو من حديث رفاعة ، حتى يكون من تقييد الكتاب بخبر الواحد ، أو هو من الزيادة على النص حتى يجئ فيه الخلاف في أنها نسخ أم لا ، وفي أن نسخ الكتاب بخبر الواحد يجوز أم لا ، كل ذلك دخول فيما لا طائل تحت تطويل تقريره بل حسبنا إجماع الصحابة وأهل اللسان على فهم هذا المقصد من لفظ القرآن ، ولم يشذ عن ذلك إلا سعيد بن المسيب فإنه قال : يحل المبتوتة مجرد العقد على زوج ثان ، وهو شذوذ ينافي المقصود ؛ إذ أية فائدة تحصل من العقد ، إن هو إلا تعب للعاقدين ، والولي ، والشهود إلا أن يجعل

--> ( 1 ) هو بفتح الزاي وكسر الباء من بني قريظة صحابي . ( 2 ) الهدبة بضم الهاء وسكون الدال نهاية الثوب التي تترك ولا تنسج فتترك سدى بلا لحمة وربما فتلوها وهي المسماة في لسان أهل بلدنا بالفتول .