الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

391

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فقالوا : لا يكون الخلع إلا بحكم الحاكم لقوله تعالى : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ . والجمهور على جواز إجراء الخلع بدون تخاصم ، لأن الخطاب ليس صريحا للحكام وقد صح من عمر وعثمان وابن عمر أنهم رأوا جوازه بدون حكم حاكم . والجمهور أيضا على جواز أخذ العوض على الطلاق إن طابت به نفس المرأة ، ولم يكن عن إضرار بها . وأجمعوا على أنه إن كان عن إضرار بهن فهو حرام عليه ، فقال مالك إذا ثبت الإضرار يمضي الطلاق ، ويرد عليها مالها . وقال أبو حنيفة : هو ماض ولكنه يأثم بناء على أصله في النهي ، إذا كان لخارج عن ماهية المنهي عنه . وقال الزهري والنخعي وداود : لا يجوز إلا عند النشوز والشقاق . والحق أن الآية صريحة في تحريم أخذ العوض عن الطلاق إلا إذا خيف فساد المعاشرة بألا تحب المرأة زوجها ، فإن اللّه أكد هذا الحكم إذ قال : إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ لأن مفهوم الاستثناء قريب من الصريح في أنهما إن لم يخافا ذلك لا يحل الخلع ، وأكده بقوله : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ فإن مفهومه أنهما إن لم يخافا ذلك ثبت الجناح ، ثم أكد ذلك كله بالنهي بقوله : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها ثم بالوعيد بقوله : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وقد بين ذلك كله قضاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين جميلة بنت أو أخت عبد اللّه بن أبي بن سلول ، وبين زوجها ثابت بن قيس بن شماس ؛ إذ قالت له يا رسول اللّه لا أنا ولا ثابت ، أو لا يجمع رأسي ورأس ثابت شيء ، واللّه ما أعتب عليه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضا فقال لها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « أتردين عليه حديقته التي أصدقك » قالت « نعم وأزيده » زاد في رواية قال : « أما الزائد فلا » وأجاب الجمهور بأن الآية لم تذكر قوله : إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ على وجه الشرط بل لأنه الغالب من أحوال الخلع ، ألا يرى قوله تعالى : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً [ النساء : 4 ] هكذا أجاب المالكية كما في « أحكام ابن العربي » ، و « تفسير القرطبي » . وعندي أنه جواب باطل ، ومتمسك بلا طائل ، أما إنكار كون الوارد في هاته الآية شرطا ، فهو تعسف وصرف للكلام عن وجهه ، كيف وقد دل بثلاثة منطوقات وبمفهومين وذلك قوله : وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً فهذا نكرة في سياق النفي ، أي لا يحل أخذ أقل شيء ، وقوله : إِلَّا أَنْ يَخافا ففيه منطوق ومفهوم ، وقوله : فَإِنْ خِفْتُمْ ففيه كذلك ، ثم إن المفهوم الذي يجيء مجيء الغالب هو مفهوم القيود التوابع كالصفة والحال والغاية ، دون ما لا يقع في الكلام إلا لقصد الاحتراز ،