الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

389

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أن يكون الخطاب كله للحكام وتأول قوله : أَنْ تَأْخُذُوا . وقوله : مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ بأن إسناد الأخذ والإتيان للحكام ، لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإعطاء ، ورجحه البيضاوي بسلامته من تشويش الضمائر بدون نكتة التفات ووهنه صاحب « الكشاف » وغيره بأن الخلع قد يقع بدون ترافع ، فما آتاه الأزواج لأزواجهم من المهور لم يكن أخذه على يد الحكام فبطل هذا الوجه ، ومعنى لا يحل لا يجوز ولا يسمح به ، واستعمال الحل والحرمة في هذا المعنى وضده قديم في العربية ، قال عنترة : يا شاة ما قنص لمن حلت له * حرمت على وليتها لم تحرم وقال كعب : إذا يساور قرنا لا يحل له * أن يترك القرن إلا وهو مجدول وجيء بقوله : شَيْئاً لأنه من النكرات المتوغلة في الإبهام ، تحذيرا من أخذ أقل قليل بخلاف ما لو قال مالا أو نحوه ، وهذا الموقع من محاسن مواقع كلمة شيء التي أشار إليها الشيخ في « دلائل الإعجاز » . وقد تقدم بسط ذلك عند قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ [ البقرة : 155 ] . وقوله : إِلَّا أَنْ يَخافا قرأه الجمهور بفتح ياء الغيبة ، فالفعل مسند للفاعل ، والضمير عائد إلى المتخالعين المفهومين من قوله : أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً وكذلك ضمير يَخافا أَلَّا يُقِيما وضمير فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ، وأسند هذا الفعل لهما دون بقية الأمة لأنهما اللذان يعلمان شأنهما . وقرأ حمزة وأبو جعفر ويعقوب بضم ياء الغائب والفعل مبني للنائب والضمير للمتخالعين ؛ والفاعل محذوف هو ضمير المخاطبين ؛ والتقدير : إلا أن تخافوهما ألا يقيما حدود اللّه . والخوف توقع حصول ما تكرهه النفس وهو ضد الأمن . ويطلق على أثره وهو السعي في مرضاة المخوف منه ، وامتثال أوامره كقوله : فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ آل عمران : 175 ] وترادفه الخشية ، لأن عدم إقامة حدود اللّه مما يخافه المؤمن ، والخوف يتعدى إلى مفعول واحد ، قال تعالى : فَلا تَخافُوهُمْ . وقال الشاعر يهجو رجلا من فقعس أكل كلبه واسمه حبتر : يا حبتر لم أكلته لمه * لو خافك اللّه عليه حرمه وخرج ابن جني في « شرح الحماسة » ، عليه قول الأحوص فيها على أحد تأويلين :