الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
385
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الْبَيْعَ [ البقرة : 275 ] وقوله : وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ [ البقرة : 227 ] وهذا التعريف هو الذي أشار صاحب « الكشاف » إلى اختياره ، فالمقصود هنا الطلاق الرجعي الذي سبق الكلام عليه آنفا في قوله : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ [ البقرة : 228 ] فإنه الطلاق الأصلي ، وليس في أصل الشريعة طلاق بائن غير قابل للمراجعة لذاته ، إلّا الطلقة الواقعة ثالثة ، بعد سبق طلقتين قبلها فإنها مبينة بعد وأما ما عداها من الطلاق البائن الثابت بالسنة ، فبينونته لحق عارض كحق الزوجة فيما تعطيه من مالها في الخلع ، ومثل الحق الشرعي في تطليق اللعان ، لمظنة انتفاء حسن المعاشرة بعد أن تلاعنا ، ومثل حق المرأة في حكم الحاكم لها بالطلاق للإضرار بها ، وحذف وصف الطلاق ، لأن السياق دال عليه ، فصار التقدير : الطلاق الرجعي مرتان . وقد أخبر عن الطلاق بأنه مرتان ، فعلم أن التقدير : حق الزوج في إيقاع التطليق الرجعي مرتان ، فأما الطلقة الثالثة فليست برجعيّة . وقد دل على هذا قوله تعالى بعد ذكر المرتين : فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ وقوله بعده : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [ البقرة : 230 ] الآية وقد روي مثل هذا التفسير عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : روي أبو بكر بن أبي شيبة : « أن رجلا جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال أرأيت قول اللّه تعالى : الطَّلاقُ مَرَّتانِ فأين الثالثة فقال رسول اللّه عليه السلام : إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان » وسؤال الرجل عن الثالثة ، يقتضي أن نهاية الثلاث كانت حكما معروفا إما من السنة وإما من بقية الآية ، وإنما سأل عن وجه قوله ( مرتان ) ولما كان المراد بيان حكم جنس الطلاق ، باعتبار حصوله من فاعله ، وهو إنما يحصل من الأزواج كان لفظ الطلاق آئلا إلى معنى التطليق ، كما يؤول السلام إلى معنى التسليم . وقوله مَرَّتانِ ، تثنية مرة ، والمرة في كلامهم الفعلة الواحدة من موصوفها أو مضافها ، فهي لا تقع إلا جارية على حدث ، بوصف ونحوه ، أو بإضافة ونحوها ، وتقع مفردة ، ومثناة ، ومجموعة ، فتدل على عدم تكرر الفعل ، أو تكرر فعله تكررا واحدا ، أو تكرره تكررا متعددا ، قال تعالى : سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ [ التوبة : 101 ] وتقول العرب « نهيتك غير مرة فلم تنته » أي مرارا ، وليس لفظ المرة بمعنى الواحدة من الأشياء الأعيان ، ألا ترى أنك تقول : أعطيتك درهما مرتين ، إذا أعطيته درهما ثم درهما ، فلا يفهم أنك أعطيته درهمين مقترنين ، بخلاف قولك أعطيتك درهمين . فقوله تعالى : الطَّلاقُ مَرَّتانِ يفيد أن الطلاق الرجعي شرع فيه حق التكرير إلى حد مرتين ، مرة عقب مرة أخرى لا غير ، فلا يتوهم منه في فهم أهل اللسان أن المراد :