الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
374
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
العربي : لا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر ، لأنه الغالب في المدة التي تحصل فيها ثلاثة قروء ، وجرى به عمل تونس كما نقله ابن ناجي ، وعمل فاس كما نقله السّجلماسي . وفي الآية دلالة على أن المطلقة الكتابية لا تصدق في قولها إنها انقضت عدتها . وقوله : وَبُعُولَتُهُنَّ . البعولة جمع بعل ، والبعل اسم زوج المرأة . وأصل البعل في كلامهم ، السيد . وهو كلمة ساميّة قديمة ، فقد سمّى الكنعانيون ( الفينيقيون ) معبودهم بعلا قال تعالى : أَ تَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ [ الصافات : 125 ] وسمي به الزوج لأنه ملك أمر عصمة زوجه ، ولأن الزوج كان يعتبر مالكا للمرأة وسيدا لها ، فكان حقيقا بهذا الاسم ، ثم لما ارتقى نظام العائلة من عهد إبراهيم عليه السلام فما بعده من الشرائع ، أخذ معنى الملك في الزوجية يضعف ، فأطلق العرب لفظ الزوج على كلّ من الرجل والمرأة ، اللذين بينهما عصمة نكاح ، وهو إطلاق عادل ؛ لأن الزوج هو الذي يثنى الفرد ، فصارا سواء في الاسم ، وقد عبر القرآن بهذا الاسم في أغلب المواضع ، غير التي حكى فيها أحوال الأمم الماضية كقوله : وَهذا بَعْلِي شَيْخاً [ هود : 72 ] ، وغير المواضع التي أشار فيها إلى التذكير بما للزوج من سيادة ، نحو قوله تعالى : وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً [ النساء : 128 ] وهاته الآية كذلك ، لأنه لما جعل حق الرجعة للرّجل جبرا على المرأة ، ذكّر المرأة بأنه بعلها قديما . وقيل : البعل : الذكر ، وتسمية المعبود بعلا لأنه رمز إلى قوة الذكورة ، ولذلك سمي الشجر الذي لا يسقى بعلا ، وجاء جمعه على وزن فعولة ، وأصله فعول المطرد في جمع فعل ، لكنه زيدت فيه الهاء لتوهم معنى الجماعة فيه ، ونظيره قولهم : فحولة وذكورة وكعوبة وسهولة ، جمع السّهل ضد الجبل ، وزيادة الهاء على مثله سماعي ؛ لأنها لا تؤذن بمعنى ، غير تأكيد معنى الجمعية بالدلالة على الجماعة . وضمير بُعُولَتُهُنَّ ، عائد إلى ( المطلقات ) قبله ، وهن المطلقات الرجعيات كما تقدم ، فقد سماهن اللّه تعالى مطلقات لأن أزواجهن أنشئوا طلاقهن ، وأطلق اسم البعولة على المطلقين ، فاقتضى ظاهره أنهم أزواج للمطلقات ، إلّا أن صدور الطلاق منهم إنشاء لفك العصمة التي كانت بينهم ، وإنما جعل اللّه مدة العدة توسعة على المطلقين ، عسى أن تحدث لهم ندامة ورغبة في مراجعة أزواجهم ؛ لقوله تعالى : لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً [ الطلاق : 1 ] ، أي أمر المراجعة ، وذلك شبيه بما أجرته الشريعة في الإيلاء ، فللمطلقين بحسب هذه الحالة حالة وسط بين حالة الأزواج وحالة الأجانب ، وعلى اعتبار