الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
372
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وفي السبايا ، وفي أحوال أخرى ، مختلفا في بعضها بين الفقهاء ، فتعين أن ما زاد على حيض واحد ليس لتحقق عدم الحمل ، بل لأن في تلك المدة رفقا بالمطلق ، ومشقة على المطلقة ، فتعارض المقصدان ، وقد رجح حق المطلق في انتظاره أمدا بعد حصول الحيضة الأولى وانتهائها ، وحصول الطهر بعدها ، فالذين جعلوا القروء أطهارا راعوا التخفيف عن المرأة ، مع حصول الإمهال للزوج ، واعتضدوا بالأثر . والذين جعلوا القروء حيضات زادوا للمطلق إمهالا ؛ لأن الطلاق لا يكون إلّا في طهر عند الجميع ، كما ورد في حديث عمر بن الخطاب في الصحيح ، واتفقوا على أن الطهر الذي وقع الطلاق فيه معدود في الثلاثة القروء . وقروء صيغة جمع الكثرة ، استعمل في الثلاثة ، وهي قلة توسعا ، على عاداتهم في الجموع أنها تتناوب ، فأوثر في الآية الأخف مع أمن اللبس بوجود صريح العدد . وبانتهاء القروء الثلاثة تنقضي مدة العدة ، وتبين المطلقة الرجعية من مفارقها ، وذلك حين ينقضي الطهر الثالث وتدخل في الحيضة الرابعة ، قال الجمهور : إذا رأت أول نقطة الحيضة الثالثة خرجت من العدة ، بعد تحقق أنه دم الحيض . ومن أغرب الاستدلال لكون القرء الطهر الاستدلال بتأنيث اسم العدد في قوله تعالى : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ . قالوا : والطهر مذكر فلذلك ذكر معه لفظ ( ثلاثة ) ، ولو كان القرء الحيضة والحيض مؤنث لقال ثلاث قروء ، حكاه ابن العربي في « الأحكام » ، عن علمائنا ، يعني المالكية ولم يتعقبه وهو استدلال غير ناهض ؛ فإن المنظور إليه في التذكير والتأنيث إما المسمّى إذا كان التذكير والتأنيث حقيقيا ، وإلّا فهو حال الاسم من الاقتران بعلامة التأنيث اللفظي ، أو إجراء الاسم على اعتبار تأنيث مقدر مثل اسم البئر ، وأما هذا الاستدلال فقد لبّس حكم اللفظ بحكم أحد مرادفيه . وقوله تعالى : وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إخبار عن انتفاء إباحة الكتمان ، وذلك مقتضى الإعلام بأن كتمانهن منهي عنه محرم ، فهو خبر عن التشريع ، فهو إعلام لهن بذلك ، وما خلق اللّه في أرحامهن هو الدم ومعناه كتم الخبر عنه لا كتمان ذاته ، كقول النابغة : « كتمتك ليلا بالجمومين ساهرا » أي كتمتك حال ليل . و ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ موصول ، فيجوز حمله على العهد ، أي ما خلاق من الحيض بقرينة السياق . ويجوز حمله على معنى المعرف بلام الجنس فيعم الحيض والحمل ، وهو الظاهر وهو من العام الوارد على سبب خاص ؛ لأن اللفظ العام الوارد في