الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

340

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الطَّيِّبِ [ آل عمران : 179 ] ا ه وهو معنى رشيق لا غنى عن إثباته وقد أشار إليه في « الكشاف » عند قوله تعالى : أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ في سورة الشعراء وجعله وجها ثانيا فقال : « أو أتأتون أنتم من بين من عداكم من العالمين الذكران يعني أنكم يا قوم لوط وحدكم مختصون بهذه الفاحشة » ا ه فجعل معنى ( من ) معنى من بين ، وهو لا يتقوم إلّا على إثبات معنى الفصل ، وهو معنى متوسط بين معنى من الابتلاء ومعنى البدلية حين لا يصلح متعلق المجرور لمعنى الابتدائية المحض ولا لمعنى البدلية المحض فحدث معنى وسط ، وبحث فيه ابن هشام في « مغني اللبيب » أن الفصل حاصل من فعل يَمِيزَ ومن فعل يَعْلَمُ واستظهر أن من للابتداء أو بمعنى عن . وقوله : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ تذييل لما دل عليه قوله : قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ على ما تقدم . والعنت : المشقة والصعوبة الشديدة أي ولو شاء اللّه لكلفكم ما فيه العنت وهو أن يحرم عليكم مخالطة اليتامى فتجدوا ذلك شاقا عليكم وعنتا ، لأن تجنب المرء مخالطة أقاربه من إخوة وأبناء عم ورؤيته إياهم مضيعة أمورهم لا يحفل بهم أحد يشق على الناس في الجبلة وهم وإن فعلوا ذلك حذرا وتنزها فليس كل ما يبتدئ المرء فعله يستطيع الدوام عليه . وحذف مفعول المشيئة لإغناء ما بعده عنه ، وهذا حذف شائع في مفعول المشيئة فلا يكادون يذكرونه . وقد مضى القول فيه عند قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ [ البقرة : 20 ] . وقوله : إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ تذييل لما اقتضاه شرط ( لو ) من الإمكان وامتناع الوقوع أي إن اللّه عزيز غالب قادر فلو شاء لكلفكم العنت ، لكنه حكيم يضع الأشياء مواضعها فلذا لم يكلفكموه . وفي جمع الصفتين إشارة إلى أن تصرفات اللّه تعالى تجري على ما تقتضيه صفاته كلها وبذلك تندفع إشكالات عظيمة فيما يعبّر عنه بالقضاء والقدر . [ 221 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 221 ] وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 221 ) كان المسلمون أيام نزول هذه السورة ما زالوا مختلطين مع المشركين بالمدينة وما