الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

276

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وتعويض وصف بوصف كقول أبي الشيص : بدّلت من برد الشباب ملاءة * خلقا وبئس مثوبة المقتاض فإنه أراد تبدل حالة الشباب بحالة الشيب ، وكقول النابغة : عهدت بها حيّا كراما فبدّلت * حناظيل آجال النّعاج الجوافل وليس قوله : نِعْمَةَ اللَّهِ من قبيل وضع الظاهر موضع الضمير بأن يكون الأصل ومن يبدلها أي الآيات فإن اللّه شديد العقاب لظهور أن في لفظ ( نعمة اللّه ) معنى جامعا للآيات وغيرها من النعم . وقوله : مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ المجيء فيه كناية عن الوضوح والمشاهدة والتمكن ، لأنها من لوازم المجيء عرفا . وإنما جعل العقاب مترتبا على التبديل الواقع بعد هذا التمكن للدلالة على أنه تبديل عن بصيرة لا عن جهل أو غلط كقوله تعالى فيما تقدم : ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ البقرة : 75 ] . وحذف ما بدل به النعمة ليشمل جميع أحوال التبديل من كتم بعضها والإعراض عن بعض وسوء التأويل . والعقاب ناشئ عن تبديل تلك النعم في أوصافها أو في ذواتها ، ولا يكون تبديلها إلّا لقصد مخالفتها ، وإلّا لكان غير تبديل بل تأييدا وتأويلا ، بخلاف قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً [ إبراهيم : 28 ] لأن تلك الآية لم يتقدم فيها ما يؤذن بأن النعمة ما هي ولا تؤذن بالمستبدل به هنالك فتعين التصريح بالمستبدل به ، والمبدلون في تلك الآية غير المراد من المبدلين في هذه ، لأن تلك في كفار قريش بدليل قوله بعدها : وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً [ إبراهيم : 30 ] . وقوله : فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ دليل جواب الشرط وهو علته ، لأن جعل هذا الحكم العام جوابا للشرط يعلم منه أن من ثبت له فعل الشرط يدخل في عموم هذا الجواب ، فكون اللّه شديد العقاب أمر محقق معلوم فذكره لم يقصد منه الفائدة لأنها معلومة بل التهديد ، فعلم أن المقصود تهديد المبدّل فدل على معنى : فاللّه يعاقبه ، لأن اللّه شديد العقاب ، ومعنى شدة عقابه : أنه لا يفلت الجاني وذلك لأنه القادر على العقاب ، وقد جوّز أن يكون فإن اللّه شديد العقاب نفس جواب الشرط بجعل أل في العقاب عوضا عن الضمير المضاف إليه أي شديد معاقبته . وإظهار اسم الجلالة هنا مع أن مقتضى الظاهر أن يقال : فإنه شديد العقاب ، لإدخال