الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
265
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أتقرأ القرآن ؟ قال لا قلت من أين علمت ؟ قال يا هذا عزّ فحكم فقطع ولو غفر ورحم لما قطع . [ 210 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 210 ] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 210 ) إن كان الإضمار جاريا على مقتضى الظاهر فضمير يَنْظُرُونَ راجع إلى معاد مذكور قبله ، وهو إما مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [ البقرة : 204 ] ، وإما إلى مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [ البقرة : 207 ] ، أو إلى كليهما لأن الفريقين ينتظرون يوم الجزاء ، فأحد الفريقين ينتظره شكا في الوعيد بالعذاب ، والفريق الآخر ينتظره انتظار الراجي للثواب . ونظيره قوله : فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ [ يونس : 102 ] فانتظارهم أيام الذين خلوا انتظار توقع سوء انتظار النبي معهم انتظار تصديق وعيده . وإن كان الإضمار جاريا على خلاف مقتضى الظاهر فهو راجع إلى المخاطبين بقوله ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ [ البقرة : 208 ] وما بعده ، أو إلى الذين زلوا المستفاد من قوله : فَإِنْ زَلَلْتُمْ [ البقرة : 209 ] ، وهو حينئذ التفات من الخطاب إلى الغيبة ، إما لمجرد تجديد نشاط السامع إن كان راجعا إلى المخاطبين بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 208 ] ، وإما لزيادة نكتة إبعاد المخاطبين بقوله فَإِنْ زَلَلْتُمْ عن عز الحضور ، قال القرطبي هَلْ يَنْظُرُونَ يعني التاركين الدخول في السلم ، وقال الفخر الضمير لليهود بناء على أنهم المراد من قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ أي يا أيها الذين آمنوا باللّه وبعض رسله وكتبه على أحد الوجوه المتقدمة وعلى أن السلم أريد به الإسلام ، ونكتة الالتفات على هذا القول هي هي . فإن كان الضمير لمن يعجبك أو له ولمن يشري نفسه ، فالجملة استئناف بياني ، لأن هاتين الحالتين العجيبتين في الخير والشر تثيران سؤال من يسأل عن جزاء كلا الفريقين فيكون قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ جوابا لذلك ، وإن كان الضمير راجعا إلى الَّذِينَ آمَنُوا فجملة هَلْ يَنْظُرُونَ استئناف للتحريض على الدخول في الإسلام خشية يوم الجزاء أو طمعا في ثوابه وإن كان الضمير للذين زلوا من قوله : فَإِنْ زَلَلْتُمْ [ البقرة : 209 ] فالجملة بدل اشتمال من مضمون جملة أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ البقرة : 209 ] لأن معناه